اخر الأخباراوراق المراقب

هوية كربلاء العلمية

محمد علي جواد تقي..

ما علاقة الدم بالقلم؟! وما علاقة الشهادة والموت في سبيل الله بالعلم؟! وكيف تجمع مدينة تأريخية مثل؛ مدينة كربلاء المقدسة، بين طقوس العزاء واستذكار مصاب الإمام الحسين، عليه السلام، طيلة أيام السنة بلا انقطاع، ومنذ استشهاده، مع طقوس طلب العلم في المدارس والحوزات والمكتبات؟ .

الحواضر العلمية (الدينية) عديدة في البلاد الاسلامية، من جامعة الزيتونة في تونس غرباً، مُروراً بجامعة الأزهر في مصر، ثم الحواضر العلمية في إيران والعراق، وحتى الحواضر العلمية المندثرة في بلاد ما وراء النهر في مدن مثل؛ سمرقند، وبُخارى، وترمذ، وخوارزم، الى جانب حواضر علمية في البلاد الافريقية مثل؛ مدينة تمبكتو في دولة مالي، كلها حملت مشعل العلوم الدينية، وخرجت أجيال من العلماء والفقهاء والمفسرين، إنما المميّز في مدينة كربلاء المقدسة؛ التقاء العلم كمشروع حضاري، مع التضحية كمشروع إنساني.

مدرسة الإمام الصادق الى جوار مرقد سيد الشهداء

تؤكد المصادر أن الحركة العلمية في كربلاء انطلقت من جوار مرقد الامام الحسين منذ عهد الامام الصادق، عليه السلام، فبعد الفترة التي قضاها في مدينة جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله، ينشر العلوم والمعارف كما فعل أسلافه، استثمر فترة وجوده في العراق بسبب إحضاره من قبل المنصور الدوانيقي في ظنه تحديد النشاط العلمي للإمام، وإبعاده عن المحورية العلمية للمدينة المنورة، بيد أن الخيبة ملازمة لمحاولات الطغاة العباسيين في تحديد تأثير الأئمة المعصومين في واقع الأمة، فقد لبث الامام الصادق فترة من الزمن في الحيرة (الكوفة) التي تحولت الى مركز استقطاب لأهل العلم من مختلف البلاد الاسلامية، و تضافرت المصادر على الأعداد الهائلة للمحدثين والفقهاء من كان يقول: “حدثني جعفر بن محمد”، وجاء في بحار الانوار أنه “في سنة 144 هجرية قدم الامام الصادق لزيارة جده أمير المؤمنين، عليه السلام، فلما أدى مراسم الزيارة خرج وسكن شمال كربلاء”، وحسب المصادر فإن الأراضي التي حلّ بها الإمام، عليه السلام، في كربلاء المقدسة، تسمى بالجعفريات، وهي نفس المنطقة التي تم تشييد المقام عليها فيما بعد باسم “مقام الامام الصادق”.

وفي كربلاء المقدسة، نلاحظ أن الإمام الصادق، عليه السلام، قرن بين حرصه على زيارة جدّه الحسين، عليه السلام، واهتمامه المتزايد بنشر علوم جدّه المصطفى، ينطلق من شاطئ الفرات، يغتسل فيه ثم يفِدُ على الروضة المباركة، ولا أدلّ على هذا من الزيارات التي دوّنها المقربون من لسانه، عليه السلام، أبرزها؛ زيارة وارث، وزيارة عاشوراء، وزيارة أبي الفضل العباس، وفي كتاب “ذلكم الامام الصادق” يشير الى تأسيس الامام الصادق لمنظومة معرفية عن عاشوراء والنهضة الحسينية، من التشجيع على كتابة شعر الرثاء للإبقاء على جذوة القضية متّقدة، والحثّ على الجزع، والحثّ أيضاً على زيارة المرقد الشريف، حتى أنه خاطب شيعته ذات مرة بأن “مالكم لا تأتونه…؟! فإن أربعة آلاف ملك يبكون عند قبر الامام الحسين الى يوم القيامة”، والاكثر من هذا؛ التوصية بالتداوي بتربة المرقد الشريف بأن “في طين قبر الحسين شفاءً من كل داء وهو الدواء الاكبر”.

فالإمام الصادق الذي تنقل عنه العلوم الباهرة، يعد تربة قبر الامام الحسين مادة علاجية، وهو ما يدعونا للتأمل والتفكّر في علاقة الامام الحسين ونهضته الاصلاحية والتغييرية بمشروع العلم.

وما يؤكد محورية الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، منذ القرون الماضية، وجود مدرسة فقهية لتعليم ونشر الاحكام الدينية، بعنوان: “المدرسة الإخبارية” التي كانت تعتمد حصراً على المصادر الروائية في معرفة الاحكام، وكان يحمل لواءها حتى الفترة المتأخرة؛ الشيخ يوسف البحراني، وهو من كبار علماء عصره، ومعروف بصاحب “الحدائق الناظرة”.

بيد أن القابلية على التطور العلمي في الفقه الشيعي أتاح الفرصة لظهور مجدد بارع يقدم الفقه الشيعي خطوات الى الامام من خلال فكرة “الأصول” كمنهج علمي جديد يبحث قواعد استنباط الاحكام الشرعية، لمواكبة التطورات والمستجدات على مر الزمن، ألا وهو؛ الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني مؤسس المدرسة الأصولية في الفقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى