ثقافية

غدير خم ..‏ التسمية والوصف والموقع الجغرافي

636

علي العامري

الغدير: هو المنخفض الطبيعي من الأرض يجتمع فيه ماء المطر أو السيل، ولا يبقى‏ إلى‏ القيظ.
أمّا خُمّ: فقد نقل ياقوت الحموي عن الزمخشري قوله: خُمّ اسم رجل صبّاغ، اُضيف إليه الغدير الذي بين مكة والمدينة بالجُحفة. وقيل: إنَّ خُمّاً اسم غيضة هناك، وبها غدير نُسب إليها. وقد أُطلقت على‏ موقع (غدير خم) عدة أسماء تبعاً لتعاقب الأزمان والأجيال ممن سكن المنطقة. فالمشهور (غدير خُمّ)، كما جاء في كتب التاريخ والسير ومعاجم اللغة. جاء في الحديث: شهدنا الموسم في حجّة الوداع، فبلغنا مكاناً يقال له: غدير خُمّ.. الحديث.
وعنه أيضاً قال: لمّا رجع رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع ونزل غدير خُمّ، أمر بدوحات فقممن.. الحديث.
قال الشاعر النُّصَيْب:
وقالت بالغدير غدير خُمٍ‏
أُخيَّ إلى‏ متى‏ هذا الركوبُ‏
ألم تَرَ أَ نّني ما دمتَ فينا
أنامُ ولا أنامُ إذا تغيبُ‏
وقال الكميت الأسدي:
ويوم الدوح دوح غدير خُمٍ‏
أبان له الولاية لو أُطيعا
وسُمّي بـ(وادي خُمّ): قال ياقوت: قال الحازمي: خُمّ: وادٍ بين مكة والمدينة عند الجُحفة به غدير، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة. وجاء في رواية لأحمد بن حنبل في مسنده عن زيد بن أرقم قال: نزلنا مع رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم( بوادٍ يقال له: وادي خمّ فأمر بالصلاة فصلّاها بهجير.. الحديث. وعن ميمون قال: قال زيد بن أرقم ـ وأنا أسمع ـ: نزلنا مع رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منزلاً يقال له: وادي خُمّ.. الحديث.
ويطلق عليه (خُمّ) اختصاراً، كما جاء في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني، قال في معرض تعداده بلدان تهامة اليمن: (ومكة: أحوازها لقريش وخزاعة، ومنها: مرّ الظهران، والتنعيم، والجعرانة، وسَرِف، وفخ، وعسفان، وقديد ـ وهو لخزاعة ـ، والجحفة، وخُمّ..). جاء في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً بماء يُدعى‏ خُمّاً بين مكّة والمدينة.
قال معن بن أوس المزني:
عَفا وخَلا ممن عَهِدْتَ به خُمُ‏
وشاقَك بالمَسْحاء من سَرِفٍ رسمُ‏
وقال المجالد بن ذي مران الهمداني من قصيدة أرسلها إلى معاوية:
وله حرمةُ الولاءِ على النا
سِ بخُمٍّ وكان ذا القول جَهْرا
وسمّي أيضاً (الجُحفة) من باب تسمية الجزء بالكل؛ لأنّ خُمّاً جزءٌ من وادي الجُحفة الكبير.
وهناك روايات كثيرة بأنّ الموضع الذي نزله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد صدوره من حجة الوداع يطلق عليه أيضاً (الجُحفة) كما قدّمنا، من تلك الروايات ما جاء في مسند أحمد، وكنز العمّال، والروضة النديّة، وجواهر العقدين وغيرها.
وقيل له (الخرّار)، قال أبو عُبيد البكري الأندلسي في معجمه: قال السكوني: موضع الغدير (غدير خمّ) يقال له: الخَرَّار. والبعض يختصر الاسم فيطلق عليه اسم: الغدير.
أما اليوم فيسمّى‏ (الغُرَبَة)، وهو الاسم الراهن الذي يسمّيه به أبناء المنطقة في أيامنا هذه. قال البلادي في معجم معالم الحجاز: ويُعرف غدير خم اليوم باسم (الغُرَبَ )، وهو غدير عليه نخل قليل لأُناس من البلاديّة من حرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجُحفة، وواديهما واحد، وهو وادي الخرّار.
من خلال الروايات وبعض الأوصاف التي أطلقها المؤرخون على منطقة غدير خُمّ، يمكن تكوين صورة تقريبيّة لذلك الموضع، بأ نّه أرض سهلة منبسطة، وهناك عين نضّاحة إلى الشمال الغربي من الغدير، يجري ماؤها في مسيل غير طويل فينتهي إلى‏ غدير حوله غيضة فيها أجمة من شجر الطَّلْح، ويُشاهَد هنا وهناك أشجار السَّمُر المتناثرة في ذلك الموضع تبعاً لمسير ماء العين، وفي كل أبعاد الوادي الفسيح تقريباً. ونبت هذه المنطقة لا يعدو شجر: المَرْخ، والأراك، والعُشَر، ونبتة الثُمَام، والشوك الذي تجده في كل مكان من الصحاري والوديان والغياض.
وما حوالي الموضع (العين والغدير) أراضٍ واسعة رملية ناعمة، قد تغوص أرجل السائر فيها إلى ركبتيه في بعض مواضع الوادي. وعلى‏ مسافة غير بعيدة من تلك الغيضة خمس دوحات قديمات متقاربات قد هرمن، فما عُدن يلقين بظلالهن على الأرض من الفي‏ء ما يستر عن الشمس وحرارتها شيئاً؛ لتناثر أغصانهن وقلة ما بتلك الأغصان من ورق. وحوالي الدوحات أرض منبسطة مترامية ليس فيها ما يُستظل به من شجر أو جبل، أعني بطن الوادي. ومسيل العين يجري مع سفوح السلسلة الجبلية الجنوبية، التي هي أعلى‏ وأضخم من جباله الشمالية.
أما اليوم فيُشاهد هناك ثلاثة أكوام من النخيل بين كل كومة واُخرى‏ نحو 20 متراً، وكل كومة لا تتجاوز بضع نخيلات، ومن المظنون قوياً أنَّ النخيل قد نبت في عهود تالية مما يرميه المارة بالوادي من عَجَم التمر. وقد تُشاهد في البين تلاعاً خفيفة، ومنخفضات هنا وهناك. والوادي الفسيح الكثير الوخامة تحدّه سلسلة جبال من جنوبه وشماله. كما تُشاهَد هناك أكمة قرب الغدير.
وغدير خم: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى مكة أقرب منه إلى المدينة. وبينه وبين الجُحفة ميلان. والجُحفة: كانت قرية كبيرة تقع على طريق مكة ـ المدينة، في الشمال الغربي من مكة وهي على أربع مراحل من مكة. والجُحفة قديماً كان اسمها (مَهْيعَة)، وإنما سمّيت الجُحفة ؛ لأنَّ السيل اجتحفها وحمل أهلها في سالف الأعوام، وهي الآن ـ يقول ياقوت في معجمه ـ خراب.. وبينها وبين المدينة ست مراحل. وقيل: إنّ العماليق أخرجوا بني عقيل، وهم إخوة عاد بن ربّ، فنزلوا الجُحفة، وكان اسمها يومئذٍ مهيعة، فجاءهم سيل واجتحفهم، فسمّيت بذلك. قال القتيبي: مهيعة هي الجُحفة وغدير خُمّ بها.
ونُقل في الأخبار أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قَدِم المدينة إبّان هجرته الميمونة استوبأها وحُمَّ أصحابه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): “اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة أو أشدّ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومُدّها وانقل حمّاها إلى‏ الجُحفة”. وقال القتيبي: إلى مهيعة بدل الجُحفة.
ومن هنا نُقل عن الأصمعي قوله: لم يولد بغدير خُمّ أحد فعاش إلى‏ أن يحتلم إلّا أن يتحول منها. وقال القاضي عياض: غدير خمّ تصب فيه عين، وبين الغدير والعين مسجد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). في حين ذكر السمهودي: المتوفّى‏ 911 هـ في وفاء الوفا أنَّ ثلاثة أميال من الجُحفة يسرةً عن الطريق حذاء العين ـ يعني عين غدير خمّ ـ مسجد لرسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهما الغيضة، وهي غدير خمّ، وهي على‏ أربعة أميال من الجُحفة، أي نحو ثمانية كيلومترات تقريباً. ثمّ قال السمهودي: أخبرني مخبر أنّه رأى‏ هذا المسجد على نحو هذه المسافة من الجُحفة، وقد هدم السيل بعضه في العهد العثماني، وقد أصلح هذا الهدم أحد ملوك الهند وأعاد عمارة المسجد.
وأفضل أماكن هذا المسجد الجانب الأيسر من محراب قبلته، حيث وقف رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هناك وخطب فيه خطبته، وصدع للناس بالبلاغ المبين، وأمّا اليوم فليس للمسجد عين ولا أثر.وغدير خمّ يقع اليوم على‏ بُعد نحو 164 كم من مكة شمالاً، ونحو 450 كم من المدينة المنوّرة جنوباً، وهو ـ أي الغدير ـ يبعد 26 كم من مجمّع رابغ السكني إلى جهة الجنوب الشرقي، ولا يبعد (غدير خمّ) عن ميقات الجُحفة سوى‏ ثمانية كم تقريباً شرقاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى