ثقافية

صفحات من جمهورية الفقراء نظريات في الاكل

635

عبد الكريم إبراهيم

ما زالت حلاوة ولذة الجنوب على لسان الحاج “مشاري” وهو يتذكر “الطابك” و”الدهن الحر” و”الشلّكين”، غير مكترث بطبق “الدولمة” الذي يقلبه عدة مرات قبل ان يأكل منه، مستذكراً “البنية والكطان” وكيف كان يخرجهما طازجين الى اقرب “كانون” نار.
الحاج مشاري هذا “أكّال” من الطراز الاول، يبدو أن هذه الصفة متوارثة في عائلته كما يروي عن ابيه ويكرر مقولة “الزلم تاكل على كد افعالها”. الحكاية تقول ان والد “مشاري” معروف في ريف علي الغربي بانه يأكل “حلانة” التمر في ربع ساعة، وصادف ان تراهن قوم من اهل المنطقة على قدرة “ابو مشاري”، في حين شكّك آخرون في ذلك، إذ أن “الحلانة” يبلغ وزنها اكثر من اربعين كيلو غراماً. وبعد ان طال الجدال قالوا لنقطع الشك باليقين ونذهب الى بيت “ابو مشاري” وهو يحل القضية بنفسه.
ومن سوء الطالع ان يكون الرجل في ذلك الوقت مريضاً، وبعد ان سلموا عليه، جلسوا بالقرب منه يسألونه عن احواله وهو يرتجف كالسعفة في “جويريد” بعد ان وضع نفسه في “المجفت”، قالوا له “ابو مشاري احنه متراهنين عليك”، وقصوا له الحكاية بحذافيرها، عندها قال “انتم جايبين حلانة التمر وياكم”؟! فقالوا “نعم”، فقال لهم “خلوها وياي بالمجفت”!! وما هي الا نصف ساعة والقوم يتبادلون الاحاديث ومن يكسب الرهان حتى رمى “ابو مشاري” لهم “الخصافة” فارغة.
عندما جاء الحاج “مشاري” من الجنوب الى بغداد عمل في مهن عديدة، ولاسيما صبغ الدور مع رجل ارمني. يقول عن إحدى مغامراته في الاكل انه احس في يوم من الايام بـ”جوعة” هزته هزاً، وجعلته يرى الواحد اثنين. عندها نزل الى حيث يحتفظ رفاقه في العمل بطعامهم، واخذه “الواهس” حتى لم يُبقِ منه شيئاً. وفي وقت الغداء نزل العمال كالعادة ليتناوَلوا الطعام، فلم يجدوا إلا اوراق الجرائد التي كانوا يلفون بها طعامهم. ولم يمكنهم إلا توجيه الاتهام الى “مشاري”، فقالوا له “الاكل مال عشر نفرات قابل انت حوت”! فقال لهم “صابتني جوعة الضحى وما شفت نفسي وانه يم الاكل والسالفة تعرفونها بعد، بس ليش ما اعرف بعدني جوعان”؟! عندها ضحك العمال واخذوا حذرهم في الايام القادمة من هذا الحوت البشري.
في اواخر ايامه اصيب الحاج “مشاري” بالسكر والضغط، ما جعله يتحسر على تلك الايام ويقول “بويه انه جنت اشرب الدهن الحر مثل الماي، هسه الطبيب كلي لازم ما تاكل شي بي دهن”! أحيانا تدمع عيناه وهو يرى “صواني” الاكل محملة بالطعام تروح وتجيء من امامه. في بعض الحالات يكسر الحصار المفرض عليه، فيعترض مثل هذه القوافل الدسمة، والنتيجة دخوله مستشفى الجوادر ونصيحة لا يريد ان يسمعها من الطبيب “حجي مشاري مو كلت لا تاكل دهن”! فيجيبه بكل طرافة “دكتور يموت الواحد شبعان احسن ما يموت جوعان”!
ربما تكون هذه اهم نظريات الحاج “مشاري” الذي كان يجهد نفسه في الحصول على “دشداشة كودري” يأخذ فيها راحته وهو يمارس هوايته المفضلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى