لعبــــة الحــــظ والبقـــــاء …
غسان عباس محسن
الوجوه الغريبة انتشرت في كل مكان وفي كل زاوية من زوايا تلك القرية، كزهور عباد الشمس، ولكن بألوان مختلفة. كانوا يجوبون الطرقات ويشاركون بعض المحليين سبل حياتهم، كانت لعنة الحرب وويلاتها هي التي طردتهم من مدينتهم الكبيرة ليلجأوا بعد ذلك إلى هذا المكان، الذي نادرا ما كان يزوره أحدهم خلال الأيام الاعتيادية.
العمليات العسكرية وحش ضارٍ يبتلع بفكيه الناريين المدن وأطرافها، فكّا الوحش يمتدان إلى ما لا يعلمه أحد. حتى ان الأنباء وصلت ذات صباح أن النيران ستصل قريبا إلى هذه القرية. فزّت كقطة مذعورة من نومها بعدما نالت النيران من ذيلها في حلم ما. لعن أبناء المدينة تلك اللعنة وكأنهم قد تصوروها جاءت لتطاردهم، حزموا أمتعتهم وقبيل الظهر كان أصحاب تلك الوجوه الغريبة يسيرون على أقدامهم متخذين طريقا جديدا للهرب من تلك اللعنة نفسها بين غابات النخيل وباتجاه قرية أخرى، زهور الشمس بدت وكأنها تحت وقع أكثر من صدمة، فهي ما بين الشعور بالاغتراب عن مدينتها وبين الخوف من أنياب فكي ذلك الوحش. ولعل “محمود” ذلك الرجل الذي كان في الثامنة والثلاثين من عمره كان أسوأهم حظا، فقد حدث أن تعرض لحادثة دهس بسيارة أحد أبناء القرية في ذلك الصباح المشؤوم. بكت أعصاب قدميه من الألم لكنه تحمل وتجلد فيما كان يسير برفقة زوجته وابنته الصغيرة حتى لا يشعر أي منهما بآلامه. أشجار النخيل تبدو كجيش من الجنود المتراصين إلى ما لا نهاية، و”محمود” المتطلع إليها يزداد حيرة وألما، فهو من جهة لم يكن يريد أن يبقى في تلك القرية خوفا على نفسه وعلى زوجته وابنته، ومن جهة أخرى كان يريد الالتحاق ببقية الناس الفارين، لكنه كان يدرك بين الفينة والأخرى بأنه ومع كل خطوة يخطوها كان يتأخر عنهم. التفتت زوجته إلى حيرته فجعلت تحثه وتشجعه بكلماتها حتى يواصل السير ويحث الخطى للوصول إلى تلك القرية. أما ابنته فانها لم تقل أكثر من كلمة واحدة خرجت من عينيها الصافيتين، وذلك عندما نظرت إليه وهي تمسك بكفه الخشنة الدافئة وتشبثت بها.
الظلام كان يزحف مقتربا كمارد يطل من فوق سعف النخيل، ينبئ بالخوف وبمزيد من النار، فحثت الجموع خطاها حتى يصلوا إلى تلك القرية قبل حلول الظلام، أما “محمود” فقد بات تخلفه عنهم واضحا، ولم تعد زوجته تقدر على ان تحمّله ما لا طاقة له به. لكن النظرات الصادرة من عينيها إليه كانت كسهام من نار اخترقت قلبه، فطلب منها أن تلتحق وابنتها ببقية الفارين، وان تتركه ليلتحق بهم على مهله. رفضت أول الأمر طلبه، لكنها سرعان ما وافقت عليه. وأما الصغيرة فإنها أبت أن تترك أباها خلفها، فبقيت يدها ملتصقة بيده الخشنة الدافئة، وراقبت عينيها أمها وهي تلتحق بالآخرين الذين كادوا أن يغيبوا عن عينيها وعيني والدها. مع حلول مغيب الشمس شعر “محمود” بالحزن والانسحاق تحت وطء أقدام قسوة الناس، لكنه وما أن أحس بدفء كف ابنته الذي بدا في تلك اللحظة وكأنه قد صار أدفأ من كفه وتلك النظرة الثاقبة التي كانت تحثه على مواصلة المسير، ازداد عزما وإصرارا. رفع عينيه فجأة فأحس بعصف انفجار قريب فثارت الأتربة التي تسد العيون، وغاب هو وابنته عن الوعي، ولم يستيقظ “محمود” إلا في صباح اليوم التالي، حيث وجد ابنته نائمة بقربه، ورجلا كان يقف على مقربة منه، كان يبدو عليه وكأنه صاحب ذلك المنزل الذي هم فيه. التفت إليه “محمود” وسأله عما حل بالآخرين، فأخبره الرجل بأنهم قد ماتوا جميعا، فأدرك “محمود” بأنه لم ينجُ إلا هو وابنته، ولم يفهم ما كان الرجل يقول له من كلمات حاول فيها أن يخفف عنه، بعدما ارتسم الحزن على محياه، لكنه كان يفكر مع نفسه “لقد نجوت بفضل جرحي”!



