لماذا تتجنب واشنطن الدخول المباشر في الحرب على إيران؟

بقلم: محمود الأسعد..
منذ اللحظة الأولى لانطلاق العدوان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأ الحديث عن الدور الأمريكي المحتمل في هذا العدوان وطبيعته، سواء لجهة التنسيق المسبق بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي في اتخاذ قرار الحرب، أم المساهمة الأمريكية المحتملة في الجوانب الاستخبارية والتقنية والهجومية والدفاعية والتكنولوجية وحتى العسكرية.
من البديهي القول بأن الولايات المتحدة لم ولن تتوانى عن تقديم كل ما يلزم للحليف الإسرائيلي، وطالما تباهى دونالد ترامب خلال ولايته الأولى وحملته الانتخابية بأنه الرئيس الأميركي الأكثر وفاءً لـ”إسرائيل” والتزاماً بأمنها، وبأنه قدم لها ما لم يقدمه أي رئيس أميركي آخر.
أشارت التصريحات الصادرة عن العديد من المسؤولين الأميركيين ومن بينهم مندوب واشنطن في مجلس الأمن، ووزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن الولايات المتحدة كانت على علم مسبق بالعدوان الإسرائيلي قبل وقوعه، لكنه نفى مشاركة بلاده في الهجوم، وهو ما أكدته تصريحات رئيس الحكومة الصهيونية نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، بينما كانت تصريحات ترامب في تعليقه على العدوان الإسرائيلي أكثر وضوحاً، لجهة تأكيد مساعدة إدارته لـ”إسرائيل” والمشاركة في التصدي لموجات الصواريخ الإيرانية التي توالت عليها من قبل إيران، “الولايات المتحدة تصنع أفضل وأكثر الأسلحة فتكاً في العالم، وبفارق كبير، وأن لدى “إسرائيل” كميات كبيرة منها، والمزيد في الطريق، والإسرائيليون يعرفون جيداً كيف يستخدمون تلك الأسلحة”، ومحذراً إيران من هجمات “أكثر وحشية” كما وصفها، حيث يظهر من تصريحاته بأن إدارته تحاول تظهير نفسها بأنها صاحبة القرار في وقف أو استمرار العدوان دون مشاركة مباشرة لقواتها العسكرية.
فما الذي يدفع إدارة ترامب إلى الهروب من زج اسمها في الصراع بشكل مباشر في المعركة؟ وهل يعكس ذلك تكتيكاً سياسياً مقصوداً أم ارتباكاً وحرجاً له خلفياته وأسبابه؟
أولاً؛ تخشى واشنطن من استهداف قواتها الموجودة في عشرات القواعد الأميركية المنتشرة في دول عدة بالمنطقة، حيث سبق لقواعدها في العراق أن تعرضت لهجوم إيراني مباشر بالصواريخ، رداً على اغتيال قائد فيلق القدس السابق الجنرال قاسم سليماني في العراق، ولذلك قال وزير الخارجية الأميركي “على إيران ألّا تستهدف المصالح الأميركية أو الموظفين الأميركيين في المنطقة”
ثانياً؛ تعتقد واشنطن أن دعمها المفتوح والمطلق لـ”إسرائيل” بالتكنولوجيا والسلاح وعلى الصعيد الاستخباري والتكنولوجي، سيكون كفيلاً بحمايتها، وسيمنحها القدرة على إلحاق الأذى المطلوب بإيران، لدفعها إلى تقديم تنازلات وفقاً للشروط الأميركية فيما يخص الاتفاق النووي، وهو ما أكده ترامب بقوله “الفرصة ما تزال مُتاحة… فقط افعلوها“.
ثالثاً تحاول واشنطن تجنب توسيع الصراع ليشمل قوى إقليمية مؤيدة لإيران، كالحوثيين وحزب الله، حيث تعتقد واشنطن بأن دخولها في الصراع سيمنح تلك القوى الإقليمية مبرراً للدخول المباشر لمصلحة إيران سواء ضد “إسرائيل”، أو ضد القوات والمصالح الأميركية في المنطقة، وهو ما قد يتسبب بإعادة خلط الأوراق وتغيير قواعد الاشتباك لغير مصلحتها ومصلحة حلفائها الإقليميين، ويتسبب بإفشال الترتيبات التي تحاول إعادة صياغتها في دول إقليمية عديدة .
رابعاً: تخشى واشنطن أن يشكل دخولها المباشر في الحرب سبباً لإعادة إغلاق البحر الأحمر من قبل اليمن، في وجه تجارتها وتجارة حلفائها وتوقف سلاسل التوريد، وخاصة الطاقية، والأمر ذاته ينطبق على مضيق هرمز وحتى على شرق البحر المتوسط كإجراء تكتيكي يمكن أن تلجأ إليه إيران وحلفاؤها، وهو ما يتسبب حكماً بارتفاعات هائلة لأسعار النفط والغاز عالمياً، ستستفيد منه غريمتها روسيا خصوصاً، على حسابها وحساب أوروبا ودول أخرى.
خامساً: إن الدخول المباشر للولايات المتحدة في المعركة قد يتحول إلى عامل استنزاف لها من قبل خصومها وتحديداً الصين وروسيا، اللتين ستكونان مضطرتين لتقديم الدعم المباشر لإيران، لمنع واشنطن من بسط سيطرتها المطلقة على الشرق الأوسط وما يعنيه ذلك من حسم للصراع العالمي في أهم ساحاته .
سادساً؛ أسباب داخلية: حيث يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في موقف لا يُحسد عليه نتيجة الانقسام المتصاعد في المعسكر الداعم له والمكون من المحافظين وحركة ماغا، ففي الوقت الذي يدفع به المحافظون للتدخل إلى جانب “إسرائيل”، فإن حركة ماغا (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) تطالبه بالوفاء بالتزاماته خلال حملته الانتخابية التي وعد فيها بعدم شن حروب جديدة، ويحاول ترامب الموازنة بين المطلبين من خلال تجنب الدخول المباشر في الحرب الدائرة بين “إسرائيل” وإيران، ويخشى في الوقت ذاته تطور الصراع إلى الحد الذي يكون فيه حليفه الإسرائيلي في دائرة الخطر الوجودي أو الهزيمة، ويبدو أن ترامب لن ينجح في تحقيق هذا التوازن، ولذلك فإنه سيسعى خلال الساعات أو الأيام القليلة المقبلة لوقف الصراع بأي ثمن، خاصة مع ما أظهرته طهران من قدرة على استيعاب الضربة الأولى وانتقالها إلى مرحلة الرد التصاعدي.



