“كمائن الموت “في غزة تفتك بجنود الاحتلال.. ماذا في التفاصيل!

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
على الرغم من الادّعاءات المتكررة لـ”جيش” الاحتلال بأنه بات يسيطر على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، وبعيداً من تسويقه المبالغ فيه لنجاحه في تحقيق جملة من أهداف الحرب التي رفعها منذ بداية عدوانه على القطاع، فإن مجريات الأحداث على أرض الواقع وفي ميدان القتال تشير إلى أن هذه الادعاءات تُجافي الحقيقة، وتفتقد إلى المصداقية بشكل كبير، إذ إن السيطرة التي يزعم الاحتلال أنه حقّقها هي مجرّد بروباغندا سوداء ليس أكثر من ذلك، وهي جزء من حملته السيكولوجية المرافقة للهجوم العسكري، والتي يسعى من خلالها لكسر عزيمة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، وإرغامهما على القبول بكل الشروط المجحفة التي يريد الاحتلال فرضها عليهم.
ومع أن “الجيش” الإسرائيلي زجّ بمعظم فرقه النخبوية في داخل القطاع، لا سيّما في شماله المدمّر والمنكوب، وفي الأطراف الشرقية لمدينة غزة والتي تحوي أحياء الشجاعية والتفاح وبعض أجزاء حي الزيتون، وصولاً إلى كامل المنطقة الشرقية من محافظة خان يونس، بيد أن سيطرته على كل تلك المناطق تتم في الغالب من خلال الغطاء الجوي، وليس من خلال وجود الجنود على الأرض.
في المناطق الثلاث المشار إليها آنفاً، والتي تشهد عمليات عسكرية واسعة، وتعتمد آلية التدمير والتخريب والهدم كجهد أساسي للقوات الإسرائيلية العاملة فيها، ما زالت قوات الاحتلال تواجه مقاومة نوعية تكلّفها كل يوم خسائر مادية وبشرية كبيرة، وهي وعلى الرغم من استخدامها لكل ما يتوفّر في جعبتها من آلات القتل والتدمير، والتي لا تُستخدم عادة إلا في الحروب النظامية، فإنها تتعرّض لضربات قاتلة أسفرت خلال الأسابيع الأخيرة فقط عن عدد كبير من القتلى والجرحى، سقطوا جميعاً في خان يونس والشجاعية وجباليا وبيت لاهيا.
من أهم الوسائل التي تلجأ إليها المقاومة في غزة لاستهداف جنود الاحتلال هي الكمائن النوعية التي وعلى الرغم من تكرارها طوال فترة الحرب، فإنها باتت خلال المرحلة الأخيرة أكثر فتكاً بالقوات الإسرائيلية، والتي لم تستطع حتى الآن إيجاد حلول مناسبة لتلك الكمائن، رغم ما تملكه من إمكانيات هائلة على هذا الصعيد، وفي المقدّمة منها الإمكانيات التكنولوجية للكشف عن الكمائن والمصائد، إلى جانب الفرق الهندسية المتخصّصة في مواجهة مثل هذا النوع من العمليات.
أولاً: وحدة يهلوم “الماسة”:
تتبع هذه الوحدة لسلاح الهندسة في “الجيش” الإسرائيلي، وهي متخصّصة في مجال الهندسة القتالية، والتفجيرات، وزراعة الألغام، وهي تختلف بشكل كبير عن كتائب الهندسة والمتفجرات التابعة لألوية سلاح المشاة المختلفة، إذ يوجد في وحدة “يهلوم” الكثير من التخصصات النوعية والمهنية، في مجالات الهندسة العسكرية، كما أنها تُعدّ أعلى سلطة مهنية في مجال هندسة المتفجرات.
ثانياً/ وحدة ماجلّان:
تُعدّ “ماجلّان” من أهم الوحدات العاملة في صفوف “جيش” العدو، وتقوم بكل مهماتها بشكل سرّي، وتشارك في القتال في ظل الظروف الميدانية المختلفة، وتُظهر تركيزاً كبيراً على عمل الاستطلاع المسيّر، بنوعيه الراجل، والراكب، والعمل في كل الفصول والظروف، وتعمل الوحدة في مجالات متعددة وهادفة، حيث يتميّز مقاتلوها بالمهارة، والكفاءة العالية، والإصرار، ويتمتعون بلياقة بدنية عالية، ويستخدمون الخرائط الطبوغرافية بمهارة فائقة. وفي إطار المسار التدريبي لجنود هذه الوحدة، يخضع الجنود لدورة تدريبية على القفز بالمظلات، ومجالات القتال القريب، ويتدربون كذلك على كل شيء يخص سلاح المشاة، بما فيها التدريب بشكل جيد على مهارة الاستطلاع، وتتمتع الوحدة بميزانية عالية، وتمتلك معدات قتالية متطورة وعالية التكنولوجيا.
ما هي الكمائن:
الكمائن عبارة عن تكنيك عسكري يُستخدم في المعارك والحروب منذ قديم الزمان، إذ يتم من خلالها استهداف قوات العدو بهدف قتلها أو أسرها أو تدمير مقدّراتها، وفي أوقات أخرى، تُستخدم الكمائن لإيقاف حركة قوات العدو، أو تأخيرها، بالإضافة إلى التأثير في معنوياتها، إلى جانب قطع الإمدادات عنها، ومنعها من الحركة بحرية في ميدان المعركة.
شروط نجاح الكمين:
من أهم شروط نجاح الكمين توفّر قيادة عليمة وذات خبرة كبيرة، وبإمكانها وضع خطة دقيقة وقابلة للتنفيذ، بالإضافة إلى التمكّن من القيام بعمليات الاستطلاع، وجمع المعلومات اللازمة من دون إغفال أي تفصيل حتى لو كان صغيراً.
أنواع الكمائن:
هناك أنواع عديدة من الكمائن العسكرية، يتم تصنيفها حسب الهدف المراد تحقيقه من ورائها، فمن ناحية التوقيت، توجد كمائن نهارية وأخرى ليلية، ومن ناحية الحركة، هناك كمائن متحركة وأخرى ثابتة، ومن ناحية الأسلوب، توجد كمائن سريعة وأخرى مخطّطة مسبقاً، أما من ناحية الانتشار، فهناك كمائن المنطقة، وكمائن النقطة.
نحن سنشير في ما يلي إلى بعض أنواع الكمائن التي تستخدمها المقاومة في قطاع غزة، والتي تواجه من خلالها “جيشاً” نظامياً محترفاً، يملك من الإمكانيات العسكرية والتكنولوجية ما لا تملكه الكثير من جيوش العالم.
1/ الكمائن الثابتة: وتُعرف بالكمائن التقليدية، وهي تعتمد على مجموعة قتالية ثابتة تكمن للعدو في مكان معين وتتحرك بعد بدء الكمين من خلال مهاجمة قوات العدو بالأسلحة المناسبة. في بعض الأحيان، تستخدم المجموعة المنفذة عبوات ناسفة أرضية أو جانبية، بحيث تفتتح الكمين من خلال تفجيرها ضد القوات المهاجمة، ومن ثم تقوم بالهجوم المضاد من خلال أنواع أخرى من الأسلحة سواء الخفيفة منها، أو باستخدام وسائل مضادة للدروع في حال كانت قوات العدو تستخدم الآليات والعربات.
هذا الشكل من الكمائن شاهدناه في شرق جباليا قبل أسابيع عدة، حيث استهدفت المقاومة جيبا للاحتلال بقذائف مضادة للدروع، ومن ثم طارد المقاومون الجيب وأجهزوا على من فيه.
2/ الكمائن النارية: وهذا النوع من الكمائن يتم فيه ضرب قوات العدو المستهدفة عن بُعد، سواء باستخدام الأسلحة المضادة للدروع، أو من خلال قذائف الهاون قصيرة المدى من عيار 60 ملم، وأحياناً من خلال إطلاق النار من الأسلحة الرشاشة المتوسطة أو القناصات، والتي يتجاوز المدى القاتل لبعضها اثنين كيلومتراً، يتم بعدها مباشرة انسحاب القوة المنفذة والتي تكون في الغالب مكوّنة من عنصرين أو ثلاثة.
هذا النوع من الكمائن شائع جداً في غزة، لا سيّما في المناطق المفتوحة، والتي لا تتوفّر فيها أماكن جيدة للاختباء أو التموضع، فيضطر المقاومون للعمل عن بُعد قد يصل في كثير من الأحيان لأكثر من كيلومتر واحد.
3/ كمائن مضادة للأفراد: ميزة هذا النوع من الكمائن أنه يتطلّب انتقاء مسرح عمليات يصعب على قوات العدو فيها الاختباء أو الاستتار، أو محاولة التجمّع لتنفيذ هجوم مضاد للكمين، ومن أجل نجاح هذا الكمين يجب أن يتم تزويد الوحدة المنفذة له بالعبوات المتشظيّة، والرشاشات الخفيفة والمتوسطة، مع تفضيل وجود قناص أو اثنين أيضاً.
مثل هذا الكمين جرى في خان يونس في الأشهر الأولى من الحرب، حيث استهدفت المقاومة جنود العدو في مكان مفتوح، ما منعهم من الهروب أو الاختباء.
4/ كمائن مضادة للمدرّعات: من أجل تنفيذ هذا النوع من الكمائن يجب انتقاء مكان يصعب فيه على المدرعات المناورة أو الانسحاب، وهو الأمر الذي يتطلّب مرورها من شوارع ضيقة، أو من مناطق جرت إعادة هندستها بواسطة الموانع الاصطناعية، وتُستخدم في هذا النوع من الكمائن العبوات الناسفة كبيرة الحجم، والتي تؤدي إلى تدمير المدرعات أو الدبابات، أو على أقل تقدير إعطابها وإخراجها من الخدمة، مع الإشارة إلى ضرورة تزوّد الوحدة المنفذة للكمين بأسلحة مضادة للدروع للاستخدام في حال نجت المدرعة من العبوة الناسفة.



