إنه عصر الصين

بقلم: دكتور عبد الله جودة..
هناك عوامل كثيرة قد تكون السبب الرئيس وراء تقدم أمة عن اختها فمثلا استطاعت أمة العرب أن تقود البشرية بعد ان تزاوجت بالدين الاسلامي الحنيف الذي كان دافعا ورافعا لهذه الامة المتناحرة المتفرقة ان تتوحد وتتطور نحو القمة العالمية بثبات ويقين ولذا كان الدين هو المحرك والمسيطر على مفاصل التطور الحضاري والاجتماعي، والثقافي والسياسي والاقتصادي أما في عصرنا الحالي فتفرق وتناحر العرب وحلت بهم المصائب وكأننا في جاهليتنا الثانية. وبالجهة الاخرى من المشرق العالمي بزغت شمس الصين التي تتقدم لقيادة العالم بخطوات ثابتة من أجل تحقيق (الحلم الصيني) كما أطلق عليه الرئيس الصيني وتجسيدًا للأيديولوجية السياسية للقيادة في عهد شي جين بينغ. حيث قال شي إن الشباب يجب أن «يجرُؤوا على الحلم، والعمل الجاد لتحقيق الأحلام والمساهمة في إنعاش الأمة».
شي جين بينغ الذي يعتبر أحد أهم القادة السياسيين في تأريخ الصين الحديث حيث تبنى فكرة الحفاظ على مصالح الامة الصينية خارج حدود الصين والعمل على وحدة اراضيها مما يعني استعادة تايوان الى الصين الواحدة الموحدة الواعدة في تسيدها لعالم أكثر أمنا وعدلا وسلاما (أو هكذا يدعون).
ومحاولة لفهم هذه المعجزة والاستفادة منها بل والشراكة معها في تطور مستمر وتعاون مستقر لذلك وجب ان نحاول فهم اسباب التطور الصيني بشكل خاص والاستفادة من هذه التجربة المميزة، وهناك عوامل عدة أهمها العامل البشري، فالتأريخ يثبت أن الأمم العظيمة بُنيت بسواعد وعقول أبنائها، وليس فقط بمواردها المادية. العنصر البشري هو “رأس المال الحقيقي” لأي أمة تطمح إلى التقدم، لذا نجد أن الصين أجادت الاستثمار عبر التعليم الجيد (من المدرسة إلى الجامعة والبحث العلمي). وايضاً الرعاية الصحية (الجسدية والنفسية) (العقل السليم في الجسم السليم) وخلقت بيئة محفزة (حرية الإبداع، العدل، ومكافأة العمل الجاد) بما يتناسب مع خصوصية الثقافة الصينية.
وعملت على تعزيز الهوية والانتماء حيث جعلت منهم أفرادا فخورين بدورهم في بناء الوطن. فالتنمية البشرية هي الطريق الوحيد لتنمية حقيقية ومستدامة. بهذه العوامل وغيرها، يصبح الإنسان ليس مجرد رقم في الإحصائيات، بل قوة دافعة للتغيير والتطور.
حالة الابتكار والتكنولوجيا عملت على تحويل العمالة إلى إبداع فانتقلت الصين من “مصنع العالم” إلى مركز للابتكار في الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، والاتصالات (مثل شركات هواوي، Tencent، Alibaba). واستراتيجية “صنع في الصين 2025” لتصبح القائد العالمي في التصنيع المتقدم والاكتفاء التكنولوجي الذاتي. لم يكن ذلك بدون القيادة والحوكمة الفعّالة والتخطيط طويل المدى. فالحكومة الصينية تضع خططًا خمسية وعشرية واضحة، مثل الخطة الاستراتيجية *مبادرة الحزام والطريق*.
وهنا يجب أن نبرهن على ما قد سبق في أمثلة وهي كثيرة ولكن سنكتفي بضرب مثالين:
المثال الأول البحث العلمي
البحث العلمي في الصين يشهد تطورًا سريعًا ومذهلاً في العقود الأخيرة، مما جعلها منافسًا قويًا للدول المتقدمة تقليدياً مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وبقية دول العالم حيث تصدرت العالم في عدد الأوراق البحثية المنشورة في *2023*، متفوقةً على الولايات المتحدة في مجالات مثل الهندسة والكيمياء وعلوم المواد. كما أنها أصبحت الأولى في عدد براءات الاختراع المقدمة سنويًا (أكثر من 1.5 مليون، طلب في 2022)، لكن نسبة كبيرة منها محلية كما تتصدر في تطوير 5G، الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، والبطاريات الكهربائية، مع شركات مثل *Huawei وBYD * وبلاشك يعتبر الإنفاق على البحث والتطوير (R&D) الاهم في هذا المجال ومع ان الصين تحتل المرتبة الثانية عالميًا في الإنفاق على البحث والتطوير، حيث أنفقت حوالي 2.4% من ناتجها المحلي الإجمالي (GDP) في عام 2022، بما يعادل أكثر من 450 مليار دولار. إلا أن الولايات المتحدة لا تزال الأولى في الإنفاق المطلق (حوالي 700 مليار دولار سنويًا)، لكن الصين تقترب منها بسرعة.
المثال الثاني السيارات الكهربائية
هيمنت السيارات الكهربائية صينية الصنع على الأسواق العالمية وخصوصا الناشئة منها، المبيعات الإجمالية الصين تهيمن بنسبة 60% من السوق العالمي، بينما أمريكا تمثل 10% فالصادرات لهذا القطاع تتقدم فيه الصين بفارق كبير (خاصة في أوروبا). واذ تمثل الصين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم حيث تم بيع ~8.8 ملايين سيارة كهربائية (BEV + PHEV) في 2023 (حوالي 60% من المبيعات العالمية).
وهناك العديد من العلامات الصينية مثلBYD، NIO، XPeng، Wuling. تتصدر المبيعات المحلية BYD فقط باعت 3.02 ملايين سيارة كهربائية (هايبرد + كهرباء بالكامل) في 2023، متجاوزة تسلا لأول مرة. وفي المقابل نجد في الولايات المتحدة تبيع 1.4 مليون سيارة كهربائية في 2023 (نمو 50% عن 2022)، لكنها لا تزال تمثل أقل من 10% من المبيعات العالمية. تسلا تهيمن على السوق (نسبة 55% من مبيعات السيارات الكهربائية في أمريكا في 2023).
وبذلك نجد أن النسبة التقريبية بشكل عام الصين vs. أمريكا في المبيعات العالمية 6 إلى 1 (أي لكل سيارة كهربائية أمريكية مباعة، هناك 6 صينية). أصبحت الصين أكبر مصدر للسيارات الكهربائية في العالم (تصدر إلى أوروبا، آسيا، أمريكا اللاتينية). في 2023، صدرت الصين 1.3 مليون سيارة كهربائية (+70% عن 2022).



