لوحات أمانج أمين .. الروح طاقة استثنائية لا تفنى بفناء الجسد

محمد طهمازي..
جدلية الذات التي تنزع لتكون في حضن الطبيعة وفي ذات الوقت تنازع هذه الرغبة وتتمرّد على قوانينها هي ما يشغل التشكيلي أفكار أمانج أمين الشغوف بالطبيعة والحياة واللاعب على حبال التحايل على قوانينها بأحدث تقنيات الإنتاج الفني.
يتسلّل الموت إلى كل شيء في هذا الوجود ويبث فيه عدميته إلا أمرين اثنين (الإيمان والفن) وفي يقيني أن هذين النطاقين وُجِدا كحلَّين لتجاوز معضلة الموت التي هي وبعيدًا عن فنائيتها كانت ولا تزال تشكل أكبر كائن مُحبِط في هذا الكون.. كائن يجتذب إليه مثل مغناطيس عظيم وخفي كل عوامل الخيبة والخذلان في هذه الحياة.. اكتشف أمانج هذه الحقيقة وعرف أن أساطير الموت وانبعاث الأرواح من العالم السفلي تضرب جذورها عميقًا داخل الإنسان في ثقافات الكثير من الشعوب وعقائدها وبالتالي في نتاجاتها الفنية والأدبية وأن الفنان هو لسان حال أزمة الوجود البشري ومحاولات بحثه عن ذاته.
يدرك أمين، وهذا جلي في لوحاته، أن العمليات الدقيقة والمعقدة تحتاج لجراح بارع بأصابع عازف بيانو ليتجنب أي احتكاك غير مقصود لمشرطه الحاد يؤدي لنتائج وخيمة كما يحصل في التعاطي البشري المدني المظهر الهمجي الجوهر مع الطبيعة والغريب أنه يعمل في منطقة هي بين البدائية والمدنية محاولاً إيجاد العلاقة الخفية التي تربط بينهما، العلاقة الحافلة بدراما المآسي والصدمات، المنسابة والعنيفة، المبصرة والعمياء، المحبة والكارهة، الجميلة والبشعة في آن. وهو هنا يشهر إيمانه بأن القبح هو لون من ألوان الجمال ومن دونه لا تكتمل تلك الدائرة الحيوية وتبقى مثل كائن ولد قبل أوانه، كذلك كانت الرؤية الانسانية للجمال ناقصة حينما كانت تقود الفنان وفنه لعهود طويلة متبنية قناعة أن القبح عكس الجمال وأنه يجب أن يتوارى خلف اللوحة وألا يظهر إلا حين نحتاج لإثارة ذائقة المتلقين ببعض الخوف منه أو الصدمة.
ترى بصيرة أمانج ذلك النشاز الكبير في علاقة الكائن البشري الذي يلبس رداء التطور الحضاري بوجوهه الصناعية والعمرانية والاجتماعية، مع الطبيعة الأم وحجم التمادي في تشويهها وتدميرها وإبادة كائناتها من دون أن يرمش لهذا الكائن المهووس جفن أو يهتز وتر من أوتار الرحمة في قلبه إن بقي ثمة رحمة. هذا المشهد الذي يحمل كل التناقضات يخرجه أمين بشكل فني ويعطيه بعدًا فلسفيًا أو يرجعه لبعده النفسي لكن من دون كلمات وكتب بل هو يرسل التعابير والرموز بل ويطوعها كمفردات لتخدم الفكرة المنفتحة على فهم ووعي المتلقي لتصيب أكبر عدد من الأهداف في وعيه وحتى لا وعيه.
حينما يمارس أمين تفكيك الكائن البشري والحيواني ثم يقوم بإعادة تشكيله فهو إنما يقوم بتفكيك المعنى ويعيد تشكيله لأنه يحاول أن يجد حلولاً لقلق وجودي في اللاوعي لم تستطع صوفيته الغامرة المفعمة بحب الطبيعة والمتصالحة حد النخاع مع كل ما في الوجود من كائنات والذائبة في كل ذرات هذه الحياة. كما يعبر من ناحية أخرى عن إيمان لمَّح له ابن عربي في قوله ” كل بقاء يكون بعده فناء لا يعوّل عليه.. كل فناء لا يعطي بقاء لا يعوّل عليه. ” فيقول إن الروح طاقة استثنائية لا يمكنها أن تفنى بفناء الجسد بل هي تنتقل بين الحيوات لتعود مرة تلو أخرى لتحيي جسدًا جديدًا وتصنع حياة مختلفة في زمان ومكان مختلف لكن هل تنسى ذاكرتها كل شيء عن حيواتها السابقة؟



