اخر الأخباراوراق المراقب

كيف نُعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية؟

مصطفى ملا هذال..

يستغني الفرد عن امتلاك سيارة لشهور أو سنوات، ويمكنه الاستغناء عن شراء الملابس بصورة دورية، لكن لا يمكن الاستغناء عن الأخلاق ولو للحظة واحدة، بينما تشهد اليوم، تراجعاً ملموساً في التعاملات اليومية ويمكن رصد ذلك التراجع من خلال النزول الى الأسواق العامة أو المؤسسات الرسمية وغيرها.

المجتمع يعيش اليوم، حالة ربما غير مسبوقة من الانحدار في الذوق العام والأخلاق أثناء التعامل اليومي، فعند الحديث مع رجل الأمن، يُجيبك بنبرة قاسية وكأن بينك وبينه عداوة متجذرة، وكذا الحال في الدوائر الرسمية تشعر بعض الموظفين متحاملين على المراجع، لا تجد أية مرونة في التعاطي والحديث.

كلامه سليط وأسلوبه فض، يحاول ان يصرف المواطن من أمامه بأي شكل من الأشكال، وفي حالات قليلة تجد من يحمل قدراً كبيراً من الأخلاق، يجزل عليك في تأدية مهامه على أتم وجه.

ويمكن رصد ذلك التراجع في ممارسات متكررة، مثل الغش في المعاملات التجارية، التنمّر في أماكن العمل والمدارس، عدم احترام الوقت والمواعيد، وتراجع الأمانة في العلاقات المهنية والشخصية، وبينما تبدو هذه المظاهر متفرقة، إلا أنها تعكس تحولاً عميقاً في البنية القيمية للمجتمع، هنا وصلنا محطة الأسئلة، وسؤالنا الأول هو ما الأسباب التي قادت الى هذا التراجع؟.

السبب الأول في التراجع، هو ضعف التنشئة القيمية في الأسرة والمدرسة، ووفقا لتقرير صادر عن اليونيسف عام 2022، فإن أكثر من 35% من الأطفال في المنطقة العربية، يعيشون في بيئات أسرية مضطربة متأثرة بموجات الطلاق، والعنف الأسري، أو غياب أحد الوالدين، ما يضعف عملية غرس القيم منذ الطفولة.

ولان “الشر يعم والخير يخص”، كما يقول المثل الدارج، فأن العراق لم يكن خارج نطاق المؤشرات السيئة، إذ تشير دراسة صادرة عن وزارة التربية عام 2021 إلى أن 68% من المدارس الابتدائية لا تُفعل منهاج التربية الأخلاقية بفاعلية، ذلك بسبب نقص الكوادر المدربة وازدحام الجدول الدراسي.

ويأتي من بين أهم الأسباب، تلاشي أو تآكل صورة الشخص القدوة أو الملهم في الأوساط المجتمعية، ومن تقع عليه المسؤولية في التصدي للظواهر السلبية، نجده يتصدى لنشر الرذيلة بين أبناء، تحيطهم شبهة الفساد، وتلاحقهم وبالنهاية كل هذه عوامل تساعد وتسهم بصورة مباشرة في التراجع الأخلاقي العام.

وفي ظل الظروف المعيشية القاسية والتي أخذت حيّزاً كبيراً وتأثيراً واسعاً على حياة العراقيين بصورة عامة، بات الفرد ينظر الى التعامل الأخلاقي كنوع من الترف أو الأساليب المثالية في التعامل مع الآخرين، مستخدماً عضلاته وسوء خلقه، كأداة أو طريقة للحصول على حقه أو غيره.

فهل القوة نافعة أكثر من الأخلاق؟.

أثبتت التجارب، ان قوة الأخلاق هي المؤثرة، وان المجتمعات من دون أخلاق، متجردة من سمة الإنسانية، وعليه يمكن ان تكون جملة من المعالجات لرفع منسوب الأخلاق في التعامل الروتيني أو اليومي.

من بين هذه المعالجات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق الحالات الإيجابية وسلوكيات الشخصيات المؤثرة، نظراً لاتساع استخدام وانتشار هذه المواقع بين شرائح المجتمع كافة، إذ تؤدي هذه الحالات والشخصيات عبر ما تقدمه من مضمون إيجابي دوراً فعالاً في تشكيل ملامح الأخلاق الشعبية.

وينبغي أيضا، إعادة هيكلة التربية الأخلاقية في المدارس، وداخل الأسر، من خلال استبدال الأسلوب التلقيني السائد في التربية الأخلاقية بوسائل تفاعلية، مثل المسرح المدرسي، دراما الصف، والنقاشات الأخلاقية المفتوحة، والاستفادة من تجارب المجتمعات التي تتمتع بارتفاع نسبة الأخلاق في المعاملات العامة.

إن تراجع الأخلاق في التعاملات اليومية ليس قدراً حتمياً، بل نتيجة عوامل يمكن تفكيكها ومعالجتها، وما نحتاجه اليوم هو جهد جماعي منظم يعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية كأداة للبناء المجتمعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى