تركيا والعلاقة مع العرب

بقلم: حسني محلي..
انعقدت، الأربعاء 21 أيار، في العاصمة الهنغارية بودابست، القمة التشاورية لمنظمة الدول التركية، وتضم في عضويتها إلى جانب تركيا كلاً من أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان وقرغيزيا وأوزبكستان وهنغاريا التي يقول حكامها إنهم من أصل تركي.
ويكتسب الاجتماع أهمية إضافية لتوقيته المتزامن مع الفتور الذي قيل إنه يخيّم على علاقات أنقرة مع عواصم هذه الدول. فرئيس وزراء هنغاريا فيكتور آوربان كان قد استقبل في 3 نيسان الماضي رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو، على الرغم من قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله أينما وجد.
ومن دون أن يمنع ذلك الرئيس أردوغان من استقبال آوربان استقبالاً حاراً في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انعقد 11 نيسان الماضي، وحضره أيضاً الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف، الصديق المقرّب والحليف الاستراتيجي لنتنياهو.
وقيل إن عالييف قد توسّط بنجاح بينه وبين أردوغان، كما بينه وبين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع الذي شارك في منتدى أنطاليا ومنها توجه إلى أبو ظبي حيث التقى هناك مسؤولين إسرائيليين.
وأما عن مواقف رؤساء الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى، فقد أثارت الشهر الماضي ردود فعل عنيفة في الشارع التركي، بعد أن قررت هذه الدول فتح سفاراتها في الشطر الجنوبي لقبرص التي يمثلها القبارصة اليونانيون المعترف بهم دولياً.
وحمّلت أحزاب المعارضة الرئيس أردوغان مسؤولية هذا الموقف، وعدّته فشلاً ذريعاً في السياسة الخارجية لتركيا، مع استمرار الهجوم العنيف الذي يشنّه الرئيس أردوغان ضد نتنياهو، وأحياناً ضد اليونان وحليفتها القومية قبرص، وهما معاً حليفتان لـ “تل أبيب” التي وقّعت خلال السنوات الخمس الأخيرة على العديد من اتفاقيات التعاون العسكري والاستخباري مع نيقوسيا وأثينا العضوين في الاتحاد الأوروبي، وتعرقلان عضوية تركيا في الاتحاد.
كما لم تسمح أثينا لتركيا بالمشاركة في المناورات الأطلسية التي جرت بالقرب من الحدود اليونانية مع تركيا، حيث أقامت واشنطن في المنطقة قاعدتين، برية وبحرية.
ومن دون أن تمنع كل هذه التناقضات أنقرة من الاستمرار في مساعيها لإقامة تحالف استراتيجي مع واشنطن، بانعكاسات ذلك على حساباتها في القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ومع انتظار الدعوة التي سيوجّهها الرئيس ترامب إلى الرئيس أردوغان للقائه في البيت الأبيض، بداية الشهر المقبل، ترى أنقرة في وجودها العسكري في سوريا والعراق وليبيا والسودان وتشاد ومالي وقطر والصومال و أذربيجان إلى جانب وجودها الاقتصادي والثقافي والديني والاجتماعي في البلقان (توجد أقليات مسلمة وتركية بنسب مختلفة في بلغاريا واليونان وألبانيا وكوسوفو ومقدونيا ورومانيا) ودول أفريقية وآسيوية أوراقاً مهمة قد يساوم بها الرئيس أردوغان الرئيس ترامب، وهو يعرف جيداً أن تركيا ومنذ انضمامها إلى الحلف الأطلسي عام 1952 كانت وما زالت خندقاً أمامياً للدفاع عن المصالح الغربية ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي السابق، والآن ضد روسيا التي تعدّ الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى حديقتها الخلفية.
ووضعت تركيا من أجلها حسابات تكتيكية واستراتيجية منذ القمة الأولى لزعماء هذه الجمهوريات مع الرئيس الراحل تورغوت أوزال، في تشرين الأول 1992 في أنقرة .
من دون أن تكون كل السنوات الماضية كافية لتحقيق أية أهداف استراتيجية على طريق التكامل السياسي والاقتصادي والعسكري، على الرغم من التوقيع على العشرات من الاتفاقيات الثنائية والجماعية بعد كل قمة يعقدها زعماء هذه الجمهوريات في أنقرة، أو إحدى عواصم هذه الجمهوريات.
وتتحدث المعلومات عن اهتمام إسرائيلي بها وعبر الجاليات اليهودية الصغيرة، ولكنها مؤثرة في الإعلام والاقتصاد والمال. كما هي الحال في أذربيجان التي تعد الخندق الأمامي لمجمل المشاريع والمخططات الإسرائيلية في القوقاز وآسيا الوسطى، وحيث التحرك الإسرائيلي في جورجيا القريبة من إيران من الشمال حالها حال أذربيجان وأرمينيا.
الأوساط السياسية والشعبية التركية التي تنتقد (وأحياناً تحتقر قومياً) بين الحين والحين العرب بحجة أنهم لا يتفقون على موقف واحد تجاه القضية الفلسطينية، لا ترى أي فرق بين الشعار الذي رفعه الرئيس الراحل تورغوت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وقال فيه “أمة تركية واحدة من الأدرياتيكي إلى حدود سد الصين المنيع” والشعار الذي رفعه حزب البعث عندما قال “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” ولم يبق منها أي شيء.
وبعد أن أثبت حكامها أنهم لا ينتمون إلى هذه الأمة التي فعلوا ما فعلوا بها قبل استقلال دولهم وبعده، وخاصة في منطقة الخليج. وكان الحكام، وما زالوا، امتداداً للمصالح الأمريكية ومعها الإسرائيلية في الوقت الذي لم تستطع واشنطن أن تحقق أية اختراقات مماثلة في آسيا الوسطى والقوقاز بسبب الموقف الروسي العنيد في تلك المناطق التي تمنع أي تغلغل غربي على حدودها.
كما لم تسمح الصين أيضاً بذلك، إذ دخلت في تحالفات سياسية وعسكرية مع هذه الجمهوريات القريبة من أفغانستان وباكستان، وإيران التي لها علاقات مميزة مع الصين وروسيا معاً، فيما تحظى باكستان بدعم عسكري صيني، وهو ما أثبت خلال الأزمة الباكستانية- الهندية الأخيرة، ووقفت أنقرة خلالها إلى جانب الشقيقة إسلام أباد التي حالها حال كل الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي، حيث لم تعترف هي أيضاً بجمهورية شمال قبرص التركية التي تأسست في الشطر الشمالي من الجزيرة بعد التدخل العسكري التركي هناك في تموز 1974.



