من القلق إلى المعنى.. كيف نفكر خارج الخوف؟

ليس القلق حالة طارئة في حياة الإنسان، ولا عارضا نفسيا معزولا يظهر فجأة ثم يختفي من غير أثر. إنه في جوهره العميق واحد من أكثر وجوه الوجود الإنساني التصاقا بتجربة الحياة نفسها. فالإنسان كائن يعرف أنه لا يعرف؛ يخطط للمستقبل وهو عاجز عن ضمانه، يحب وهو لا يملك مصير من يحب، يعمل وهو لا يعلم ما الذي ستؤول إليه جهوده، ويختار وهو يدرك أن كل اختيار يفتح بابا ويغلق أبوابا أخرى. من هنا تنشأ المساحة التي يسكنها القلق: المساحة الفاصلة بين الرغبة في السيطرة وحقيقة أن الحياة لا تخضع للسيطرة الكاملة.
في الثقافة المعاصرة، غالبا ما يجري التعامل مع القلق بوصفه مرضا يجب استئصاله أو خللا ينبغي التخلص منه بأسرع طريقة ممكنة. غير أن هذه النظرة، على الرغم من وجاهتها عندما يكون القلق مزمنا ومعطلا للحياة، تبقى قاصرة إذا تعاملت مع كل أشكال القلق باعتبارها شرا مطلقا. فالقلق، في صورته الطبيعية، ليس عدوا للإنسان، بل إشارة إنذار، وآلية تنبيه، ودعوة إلى الانتباه لما هو مهم أو جديد أو محفوف بالمخاطر. المشكلة لا تكمُنُ في وجود القلق، بل في الطريقة التي نفهمه بها، وفي مدى قدرتنا على تحويله من قوة تشلنا إلى قوة توقظنا.
من هذا المنظور، لا يصبح السؤال: كيف نلغي القلق من حياتنا؟ بل: كيف نفكر بطريقة تجعل القلق أقل استبدادا بنا؟ وكيف نعيش مع اللايَقين دون أن يتحول إلى سيف معلق فوق رؤوسنا؟ وكيف نعيد تأويل الخوف بحيث لا يكون عائقا أمام المغامرة، بل جزءا من كلفتها؟ ثم كيف نربط كل ذلك بسؤال أعمق: ما المعنى الذي يجعل الألم محتملا، والقلق مفهوما، والحياة جديرة بأن تُعاش؟
يكره الإنسان اللايَقين لأنه يضع دماغه في حالة استعداد للخطر. عندما لا نعرف ما سيحدث، يبدأ العقل في إنتاج سيناريوهات محتملة، وغالبا ما تميل هذه السيناريوهات إلى السوء لا إلى الخير. وهذا الميل ليس عبثيا؛ إنه جزء من تأريخنا التطوري. فالإنسان القديم الذي كان يتوقع الخطر وينتبه إليه كانت فرص نجاته أعلى من الإنسان الذي يتجاهل المخاطر. لذلك ورثنا دماغا يفضل الإنذار الكاذب على الغفلة القاتلة.
تزداد المشكلة بسبب ما يسميه علماء النفس بالانحياز السلبي. فالإنسان يميل إلى إعطاء الأخبار السيئة والاحتمالات السلبية وزنا أكبر من الأخبار الجيدة والاحتمالات الإيجابية. لو كان أمامه احتمال نجاح كبير واحتمال فشل صغير، فقد ينشغل بالفشل حتى يطغى على النجاح. ولو تلقى عشر كلمات مدح وكلمة نقد واحدة، فقد تظل كلمة النقد عالقة في ذهنه. هذا الانحياز لا يعني أن الإنسان غير عقلاني دائما، لكنه يعني أن عقله لا يقرأ الاحتمالات بحياد كامل عندما يكون القلق حاضرا.
لذلك تُصبح كراهية اللايَقين خطرة عندما تمنعنا من رؤية المنافع المحتملة. فالذي لا يطلب عملا جديدا خوفا من الفشل قد يخسر فرصة لاكتشاف قدراته. والذي لا يبوح بمشاعره خوفا من الرفض قد يحرم نفسه من علاقة ثمينة. والذي لا يغادر بيئة خانقة خوفا من المجهول قد يبقى سنوات في حياة لا تشبهه. في كل هذه الحالات لا يكون الخطر الحقيقي هو القرار نفسه، بل الصورة المشوهة التي يرسمها القلق لذلك القرار.
هنا تظهر الحاجة إلى التفكير لا إلى الشعور وحده. فالقلق شعور، لكنه لا ينبغي أن يكون القاضي النهائي. الشعور ينبهنا إلى وجود شيء مهم، أما القرار فيحتاج إلى عقل منظم، ومقارنة، وتقدير احتمالات، واستشارة، ورؤية أوسع من اللحظة الانفعالية.
إحدى أهم الطرق للخروج من أسر القلق هي استخدام ما يسمى بالتفكير ما وراء المعرفي؛ أي أن يفكر الإنسان في طريقة تفكيره نفسها. بدلا من أن يقول: “أنا خائف إذن لا ينبغي أن أفعل هذا”، يمكنه أن يسأل: لماذا أخاف؟ ما الاحتمال الحقيقي لما أخشاه؟ ما أسوأ ما قد يحدث؟ ما أفضل ما قد يحدث؟ ما الذي أخسره إذا بقيت مكاني؟ وما الذي قد أكسبه إذا تحركت؟
هذه الأسئلة لا تُلغي القلق، لكنها تنقله من منطقة الضباب إلى منطقة الفحص. فالقلق يكون أقوى عندما يبقى غامضا. أما عندما يتحول إلى قائمة محددة من المخاوف والمنافع والاحتمالات، فإنه يفقد جزءا كبيرا من سلطته. الإنسان لا يستطيع أن يناقش شبحا غامضا، لكنه يستطيع أن يناقش فكرة مكتوبة على الورق.



