اخر الأخباراوراق المراقب

في التنفير من البخل والبخلاء

الشيخ محمد جواد الدمستاني..

تعجب الإمام أمير المؤمنين “عليه السلام” كما في حكمة من حكم نهج البلاغة من ستة وهم: “البخيل، والمتكبر والشاك في الله، الناسي للموت أو الغافل عنه، ولمنكر الآخرة، ولمعمّر الدّنيا دون الآخرة”.

ومورد التعجب للمتكبر، أنّ بدايته نطفة وآخره جيفة، فليس له مكان للتكبر، والشاك في الله وهو يرى خلق الله، وناسي الموت وهو يرى الموتى يوميا، ولمنكر النشأة الأخرى وإعادة الأبدان بعد عدمها وهو يرى النشأة الأولى ابتداءً دون إعادة والإعادة أهون، ولمعمّر الدّنيا وناسي الآخرة وهو يرى زوال الدّنيا وفنائها ولا يعمّر الآخرة مع بقائها وخلودها، فلا ينبغي للنّاس الاتصاف بهذه الصفات مورد التعجّب من البخل والتكبر، ولا ينبغي الشك في الله ونسيان الآخرة، أو إنكارها، ولا تعمير الدّنيا وترك الآخرة، والغرض من الحكمة وذكرهم هو التنفير عن رذائلهم هذه التي تهلك الأفراد والأمم والترغيب في أضدادها.

وأمّا البخيل الذي يجمع المال والعقار ويقتّر على نفسه وعلى الآخرين ويكره صرف المال فمورد التعجب فيه هو أنّه يبخل خوف الفقر والحاجة، ولكنه عمليا يقع في الفقر، فهو يقع فيما هرب منه، ويعيش في حالة من الفقر والبؤس والحرمان، فهو مستعجل للفقر الذي هرب منه.

وإنّه يطلب الغنى ببخله والحقيقة أنّ هذا البخل هو مفوت لغناه، لأنّه لا يشعر بلذة الغنى ولا يستمتع بغناه، فما ظنّه سببا لغناه الذي يطلبه هو حقيقة سبب لفقره، وهو البخل.

ونتيجة للبخل هو أنّ البخيل يعيش في الدّنيا حياة وحالة الفقراء الذين لا تتوفر لهم مقومات الحياة من الأكل والشرب الطيب، واللبس الجيد، وشراء ضروريات ما يحتاجه، ولكن حسابه في الآخرة حساب الأغنياء، لأنّه يملك مواد الغنى من مال وعقار وثروة.

وعلى هذا، فإنّ الفقر للبخيل خير وأفضل من الغنى لأنّ الفقير يُحاسب في الآخرة بمقدار وحساب فقره، أما البخيل الغني فإنّه يحاسب بمقدار غناه وممتلكاته.

قال “عليه السلام”: «عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، ويَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، ويُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ».

والبخل يقابل السخاء وهي الملكة التي توجب إنفاق المال والممتلكات، والأقرب أنّ هذه صفات اكتسابية من البيئة والمحيط الاجتماعي وتأثيرات التربية، ويمكن الاتصاف بها بكثرة مزاولتها والمداومة عليها، فمن كان بخيلا يستطيع أن يتحول إلى كريم بالمزاولة والمداومة عليها، فيصبح البخيل سخيا والحريص كريما.

على ضوء الروايات، أنّ مثل هذا البخيل يحاسب يوم القيامة حساب الأغنياء من أصحاب الأموال بينما الفقراء المؤمنين يتنعمون في الجنّة، في الرواية عن الإمام الصادق “عليه السلام”: «إنَّ فُقَرَاءَ اَلْمُؤْمِنِينَ يَتَقَلَّبُونَ فِي رِيَاضِ اَلْجَنَّةِ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً، ثُمَّ قَالَ سَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلاً إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ سَفِينَتَيْنِ مُرَّ بِهِمَا عَلَى بَاخِسٍ فَنَظَرَ فِي إِحْدَاهُمَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئاً فَقَالَ أَسْرِبُوهَا، وَنَظَرَ فِي اَلْأُخْرَى فَإِذَا هِيَ مَوْفُورَةٌ فَقَالَ اِحْبِسُوهَا».

وفي الرواية عن الإمام الصادق “عليه السلام” أيضا: «إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ قَامَ عُنُقٌ مِنَ اَلنَّاسِ حَتَّى يَأْتُوا بَابَ اَلْجَنَّةِ فَيَضْرِبُوا بَابَ اَلْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ، فَيَقُولُونَ نَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَ قَبْلَ اَلْحِسَابِ، فَيَقُولُونَ مَا أَعْطَيْتُمُونَا شَيْئاً تُحَاسِبُونَّا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَدَقُوا اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ».

فالبخيل لا يدفع فقراً وإنّما يقع فيه، ولا يطلب غنى وإنّما يفوته، وليس له عيش سعيد وهنيء بل شقاء وبؤس، وحسابه عسير شديد، فهو خاسر في الدّنيا والآخرة، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وهو المتضرر والخسران.

ثم أنّ البخل لا يكتفي بنفسه وإنّما يجر معه صفات أخرى من الجبن والحرص والشك والقلق.

وفي نهج البلاغة عدد من الروايات في ذم البخل والتنفير منه، قال “عليه السلام” «الْبُخْلُ عَارٌ»، «الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ»، «وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، ويَعِدُكَ الْفَقْر،َ وَلَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ».

ومن كلام له “عليه السلام” يوبخ البخلاء بالمال والنفس، قال «فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ، فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ».

والتحذير من مصادقة البخيل لتقاعسه وقت الحاجة، «إيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ».

أو توليته أمور المسلمين وجعله والياً لحرصه وجشعه، «وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى