الطاغية والمستبد

القاضي سالم روضان الموسوي..
ان السلاطين ومنهم سلاطين الدولة العثمانية يتسمون بالاستبداد والتعالي على شعوبهم، وانهم لا يسمعون صوت الشعب بل يستغرب أحدهم ان سمع شخصاً سواء من العامة أو من الخاصة يتذمر أو يتبرم من ضيق العيش وغيره، ويذكر الأديب اللبناني جرجي زيدان في روايته (الانقلاب العثماني) الى قول السلطان عبد الحميد الذي كان معروفاً بسطوته واستبداده، فيقول في مَنْ يعاني الجوع والفقر في سلطنته: (أمن الإخلاص انهم إذا جاعوا خرجوا على مولاهم).
وهذا القول الذي خطه الأديب سواء كان من واقع الحال الذي كان عليه السلطان أو من مخيال الأديب عند سبك الرواية التي أمتزج فيها الخيال مع الحقيقة الواقعية، فانتج لوناً من الأدب التأريخي الرائع، وهذا مؤشر على ان المستبد والطاغية هو من لا يسمع قول شعبه ولا يهتم لقولهم، بل انه يقرر ما يراه هو لا ما يراه القانون ومنطق الحق، وينصب نفسه رب الناس الذي تمكن من ان يحكمهم، وليس بالضرورة ان يكون رئيساً للبلاد أو قائداً عاماً للقوات المسلحة، بل قد يكون متحكماً بمصير الشعب والأمة بوسائل دستورية أحياناً، حيث كان الكثير من الطغاة والمستبدين يزينون أعمالهم الاستبدادية بزخرف القانون، فترى هؤلاء مثل هذا السلطان العثماني، يستغربون حتى من صوت الجائع أو المظلوم الذي ظلمه الطاغية والمستبد، ولا يسمحون له بالتعبير عن رأيه.
كما ورد في تلك الرواية صورة عن عنجهية وطغيان الحاكم والسلطان والمتحكم في أمور البلد والأمة، فانه لا يسمع أي صوت حتى لو كان صوت الضمير والعقل، بل انه لا يقبل حتى من غير العاقل ان يقلد صوته ولا يرضى إلا بأن يسمع صوته من لسانه هو وليس من غيره حتى ان كان تقليداً.
ويروي الأديب جرجي زيدان في روايته بان كان للسلطان عبدالحميد ولد صبي يعزه جداً وكان يملك ببغاءً مميزاً وله القدرة على تقليد جميع الأصوات وفي أحد الصباحات كان يلاعب ولده ومعهم الببغاء، وحضر أحد العاملين في قصره فنادى عليه باستعلاء وتجبر وتكبر، ثم بعد ان أنهى جلسته سمع صوتاً يشبه صوته في نبرته يردد ما قاله وباستعلاء واستكبار، فاغتاظ السلطان وانزعج كثيراً، ويروي الأديب جرجي زيدان معبراً عن هذه الصورة بقوله (فبان الغضب في عيني عبد الحميد وصاح: «أخرجوا هذا الطير من قصري أو اقتلوه، فإني لا أطيق أن أسمع صوتًا يأمر وينهى غير صوتي).
لذلك فان الطاغية لا يرغب في سماع أي صوت حتى لو كان صوته لكن لم يكن صادراً منه، فهذه الأحوال التي عليها الطغاة والمستبدين تتكرر كلما ظهر لنا مستبد وطاغية، والحقيقة الواقعية التي سجلها التأريخ عن هؤلاء الطغاة انهم لم يهنئوا في حياتهم، ويصورهم جرجي زيدان فيقول كان عبد الحميد سلطان البرين وخاقان البحرين، الذي دانت له الرقاب، وكاد يسيطر حتى على عناصر الطبيعة فإذا غضب غضبت، وإن رضي ابتسمت، على أن ذلك كله لم ينفعه بعد ما ارتكبه من الشطط في تلك السيادة، وتجاوز بها الحد، فتولاه الخوف القلق)، ثم يصف حاله بقوله (كان في شبابه طلق مستدير الوجه، فأصبح يومئذ وقد تغيرت سحنته لفرط ما عاناه من بواعث الحذر على حياته، لأنه قاسى عذاب الموت خوفاً من الموت، وكابد مرارة الاستعباد رغبة في الاستبداد فمن عرفه في شبابه ينكره الآن).
ثم انتهى الحال بالسلطان عبد الحميد الى ان ينقلب عليه شعبه ويموت وهو تحت الإقامة الجبرية، فاقداً لحريته وكرامته، وهذا أمر حتمي لكل من تكبر وتجبر.



