ثقافية

الغربة السياسية في شعر سعدي يوسف

328

جمال قصودة

“كلما خطوت خطوة في طريق الشعر الطويل، أحسست بأني أقترب أكثر من الحرية”
سعدي يوسف
سعدي يوسف كما ذكرنا سابقا، شاعر صاحب رؤية فنية لها مرتكزاتها النظرية والإيديولوجية المتصلة بالشعر والفكر معا فلم يكن يوما حسب تعبيره “مراقبا محايدا”، إنما كانت له حماسته ونظرته للأشياء. ولما أبعد سعدي يوسف عن الوطن وجد نفسه غارقاً في بحار الغربة بكلّ مستوياتها، خاصة الغربة السياسية، “ذلك أن كل شيء في هذا العالم مرتبط بالسياسة وبالصراعات الطبقية المادية والإيديولوجية التي تشكل السياسة وجهها الأعمق والأشدّ بروزا” على حد تعبير طراد الكبيسي. هذه الغربة السياسية دفعت الشاعر إلى الالتصاق بالوطن/ القضية نتيجة عمق التجربة التي أتاحت له النظر عن بعد عبر رؤية أكثر شمولية لأبعاد القضية التي ناضل من أجلها سنين طويلة وما يزال يحملها ويحن للمساهمة بها بكل طاقته. هذا ما يفسر بروز الجانب السياسي وطغيانه على أعمال سعدي يوسف الذي تولّد لديه طموح تحويل السياسة إلى شعر أو الشعر إلى سياسة، السياسة بمفهومها الأكثر عمقا: النضال من أجل التحرر من كل قيد. ومن هذا المنطلق يكون للغربة السياسية لدى سعدي يوسف مستويان: المستوى الأول، الالتصاق بالوطن/ القضية والتوق إلى الحرية والتغيير، والمستوى الثاني، التغني بالموت بعدّه حياة.
الالتصاق بالوطن/ القضية والتوق إلى الحرية والتغيير في بادئ الأمر لا بد أن نضع التجربة الشعرية في إطارها التاريخي لفهم مدلولها وأسباب تعلقها بكل ما هو سياسي، فالتجربة الشعرية لسعدي يوسف بدأت تتشكل ملامحها منذ بداية الخمسينيات، وعرفت نضجها الفني في مدة السبعينات بالتحديد، حيث كتب في تلك المدة بعيدا عن السماء الأولى التي تمثل نقلة نوعية في شعره إذ تغير في تلك الأثناء مسار التجربة من الرومنطقية إلى الواقعية الاشتراكية، هذا التحول يعود إلى أسباب ذاتية وهي تأثير الماركسية التي اعتنقها الشاعر في تلك المرحلة التاريخية بحركة تحرر وطني، إذ كان الشعب بقواه الوطنية وجماهيره وأدبائه يخوض نضالا مريرا ضد الاستعمار والحكومات الرجعيّة العميلة يوم بدأ سعدي يوسف يكتب الشعر.
فلا عجب إذا طغى الجانب السياسي على قصائد سعدي يوسف، فهذا الشاعر حسب أحمد عبد المعطي حجازي “يحمل على كتفيه من غبار المعركة وأحزانها أكثر مما على فرسانها المعدودين، لعله يحب الشعر أكثر من نفسه ويحب الناس أكثر من الشعر فهو يمنح نفسه لفنّه ويقدم نفسه للناس بالإشارة (…) كأنما في سعدي روح الوطن الخلاق التي لا يكترث بها أحد”، لذلك حاول سعدي يوسف من خلال قصائده رسم الوطن بكامل معالمه وجراحه ودعانا إلى ملامسته ملامسة حقيقية، أي أن نضع أيدينا على الجرح الذي ينزف، وفي الآن نفسه دعا الشاعر الوطن أن يسمع نداء الثورة والتغيير فلو لم يكن سعدي يوسف مغتربا داخل الوطن ومضطهدا لما خير المنفى ولو لم يعش الشاعر غربة سياسية لما سعى إلى الثورة والتغيير، يؤكد ذلك قول طراد الكبيسي الذي يعد قصائــد سعدي يوسف “موقفا إنسانـيا ثوريا شاملا من الأشياء والعالم والإنسان وعالما من الأشياء والناس تتحرك فيه بحرية خلاقة وبكل المتناقضات التي يطفح بها عالمنا المعاصر: الثورة والاغتيال، السجين والسجان، الشجر والحجر”.
من هذا المنطلق يمكن فهم السبب الذي دعا الشاعر إلى رثاء شهداء الثورة في أعماله مثل قصيدة “مرثية إلى هادي طعين” وهي أقرب إلى التأريخ منه إلى الشعر:
في 1948: كنت عامل ميكانيك سجينا في نقرة السلمان
في 1958: كنت في نقابة الميكانيك في البصرة
في 1968: مضت ثلاثة أعوام على موتك بالسل في نقرة السلمان فقد تعبر هذه الأسطر الثلاثة عن هول الفاجعة ولكنها لا يمكن أن تكون قصيدة أو مرثية إنما هي تأريخ للثورة وكأني بالشاعر أصبح مؤرخا في هذا الموضع . فسعدي يوسف دائم الحضور داخل المعاناة وداخل الأزمة ودائم الالتصاق بالوطن/ القضية لان القضية واحدة والمعاناة واحدة كما أن للخلاص طريقاً واحداً وهو الثورة، لذلك يودع الشاعر المعاناة على أمل في حياة مشرقة:
وداعا نقرة السلمان.. وداعا نقرة السلمان
إلى أن نلتقي..
ولربما، ولربما، يا نقرة السلمان
يكون أمام سورك مرة بستان
وأول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة هذه الأسطر أن الشاعر عمد إلى تكرار السطر الشعري مرتين وهو تكرار واع الهدف منه التأكيد على أن الشاعر طلّق السجن بلا رجعة، وإذا كان الوداع عادة يقتضي عدم اللقاء ثانية إلا أن سعدي يوسف يؤكد عودته مجددا “إلى أن نلتقي”، هذه العودة التي ستكون على شاكلة أخرى ولان الشاعر دائم السعي إلى التغيير سيكون اللقاء حتما أجمل حيث يرمز البستان الذي يتمنى الشاعر أن يراه أمام سور نقرة السلمان إلى الربيع والغد المشرق.
التغني بالموت بعدّه حياة:
لقد كان العمل السياسي في العراق إبان الجمهورية الأولى أي زمن عبد الكريم قاسم يعني الانتحار نظرا للاضطهاد الذي كان يعيشه الشعب العراقي في تلك المدة ومن هذا المنطلق كانت السياسة في مدة الخمسينات تعني الموت “الموت الذي يناقض الحياة، مناقضة صارخة أو الحياة التي تنتهي بحلول هذا الضيف في جسد الإنسان”.
إلا أن الموت في قصائد سعدي يوسف وبالتحديد في ديوان “بعيدا عن السماء الأولى” أخذ شكلا آخر مناقضا للسائد بعدّ الموت نهاية الحياة إنها لمفارقة ساخرة تلك جعلت سعدي يوسف يعدّ الموت حياة لكنها مفارقة قائمة على المنطق لان هذا الموت، موت في سبيل الحرية ولم يكن موتا عدميّا بقدر ما كان طريقا إلى حياة أكبر، وهو أيضا على حدّ قول طراد الكبيسي “موت شيق لا تجربة يود أن يلامسها الإنسان عن قرب بل كحلم أو مثل خطوة مملوءة يستجمع فيها الإنسان عنفوانه وحياته”. وفي هذه الوضعية التي يصبح فيها الموت حياة، يتساوى عبر هذه المعادلة الأحياء والأموات، إذ لا فرق بينهما إلا في درجة الموت أو درجة الحياة وأظن أن سعدي يوسف واع بهذه المعادلة نظرا لتجربة المنفى لذلك يسأل صديقه الشاعر العراقي بلند الحيدري بهدف الوقوف على مدى وعيه بهذه الوضعية لان هذا الاخير يعيش إغترابا داخل الوطن هو الاخر:
نولد في الغربة أم نموت؟
أتعرف الاشجار والبيوت
وجوهنا؟ وأننا.. نولد كل ساعة
نموت كل ساعة
وحولنا تولد أو تموت..
الناس والاشجار والبيوت؟
فتتأكد الغربة السياسية التي تحدثنا عنها سابقا فليس الجمع بين المتناقضات إلا دليلا على تلك الحالة خاصة عندما يكون طرفا النقيض: الموت والولادة اللذان يجتمعان في هذه السطور الشعرية فالشاعر هنا يستخدم الاستفهام الانكاري ليعّبر عن حالة الحيرة التي يعيشها في خضم هذه المعادلة التي يتساوى فيها النقيضان: الموت والولادة فهذا الموت ليس موتا إعتياديا أنه القتل، الاغتيال والانتحار فهو إذا أكثر واقعية و مأساوية مما يعزّز قداسة الحياة، فهذا الموت لا يبدأ عند انتهاء الحياة والحياة لا تنتهي عند إبتداء الموت فالميت هنا يواصل حياته ولو على شاكلة أخرى إذ تتقمّص تلك الروح جسدا من الاحياء الذين ناضل السياسي من أجلهم و لأجلهم مات، لذلك يعيش سعدي يوسف اليوم لأنه تقمّص أرواح شهداء عكا:
عشرون ألفا عند أسوارها
ماتوا ولكنني
من أجلهم عشت
فتنقلب هنا المعادلة إذ يصير الموت سببا للحياة فلو لم يمت عشرون ألف فلسطيني عند أسوار عكا لما عاش سعدي يوسف اليوم فكأني به يمجد ذلك الموت ويتغنى به لأنه موت من أجل القضية الفلسطينية التي يعدّها سعدي يوسف قضية عادلة لان الحرية هدفها الأساس الذي يناضل هو الآخر من أجله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى