ثقافية

لعبة الموت

329

حسن زايد

أنا اسمي لا يهم.. أحداث حياتي منذ مولدي حتى تاريخه، لخصها الزمن واختصرها، ربما لكونها كانت أطول من اللازم. فرح، حزن، بهجة، غم، سعادة، ألم، هدوء، صخب، نجاح، فشل. توقفت حياتي قليلاً على أعتاب مرفأ التخرج، ربما لالتقاط الأنفاس اللاهثة. عينت معيدة بالكلية، وتقدم هو لخطبتي. هو رجل جرى تلخيص كل الرجال فيه، وطبيعي أن أحبه، ولا أرى في الكون غيره، نهر من الحب الدافق ينهمر من الجنة. حركات، سكنات، همسات، لمسات، لفتات، نظرات، انغمست في نهر الحب قبل أن تتقافز أمامنا، ومن بين أيدينا، ومن خلفنا. انبثق النور مع اختبار الحمل يسابق الزمن، طفلة قمرية تنسل من ظلمة الرحم إلى نور الحياة، ترضع، تنمو، تجلس، تحبو، تقف، تتعثر في مشيتها الطفولية. في زحمة الإنشغال بالزوج والبنت والعمل تعثرت حياتي في ثديي الأيمن. كشف، وفحص، وتدقيق، وأشعات مختلفة. كان لابد من أخذ عينة للتحليل معملياً لإزالة الشكوك. عدت إلى البيت مستخفية وراء الإبتسامة، والضحك، والمرح، والمداعبة، والنشاط، والحركة الدائبة. أكل قلبي القلق، ونهشته الوساوس، كوابيس، هلاوس، انتحر النوم على أعتاب جفوني. كنت حريصة على الدائرة الضيقة.عينة التحليل إيجابية، القرار استئصال أنوثتي، فكان لابد للدائرة أن تتسع. أخبرته. هرسه زلزال الصدمة، وإن حرص على أن يبدو متماسكاً هادئاً. أخبرته أن الإنسان لا يعيش مرتين، ولا يموت مرتين كذلك. بدأ الموت يطل بقرونه إلى داخل البيت بعد العملية، وبدء جرعات الكيمياوي، ومع إطلالته هربت معاني وأشياء. كلاليب تكحت في عظامي، وكلاب مسعورة نهمة تنهش في لحمي، وقصاصات زجاجية مدببة، تنغرس مع المشي في باطن قدمي. ألوذ بالصمت. الملعون يتفلت مع كل محاولة للحصار. شحوب، ذبول، هزال عام، شعر متساقط، سطو على الحياة. لم يعد هناك مجال للإبقاء على الدائرة. نسيت أن أقول أني تركت العمل راغمة، وطفلتي القمرية تصاحبني في البيت، كأنها نسختي بعثت من جديد. ترتمي في حضني المنهك، بعد أن ينهكها اللعب، وتنام في هدوء. أواظب على تناول الأدوية من برشام وشراب وجرعات كيمياوية. نفس بشرية تتهاوى متكسرة متفتتة على سندان الألم. لم أعد قادرة على الوقوف، أو الحركة، أو القيام، أو الجلوس. نسيت أن أقول أن أختي جاءت لخدمتنا بالبيت، ورعايتي ، إنها البديل لأمي التي ماتت بذات المرض. كانت تبذل مجهوداً خرافياً. يبدو أن الذاكرة تآكلت كثيراً. في البداية كان زوجي ممتناً لوجودها، حتى بدأ ينسحب من الحياة، مستغرقاً في الفيسبوك، مدة وجوده في البيت، لقد نسي تماماً حياتنا، وعاش الحياة الإفتراضية. مزهودة أنا، وعبء ثقيل. أينما وليت وجهي وجدته أمامي، تتخطفني كلابيبه من كل حدب وصوب. لم أجد سوى شقيقتي لأوصيها بطفلتي. حملتني سيارة الإسعاف إلى المستشفى، لإدخالي العناية المركزة. مكثت فيها ساعات أو أياماً، لا أدري. كانوا يدخلون عليّ فرادي، ينظرون، وأنظر.. ألمح في عيونهم دموعاً. لا يتحرك مني سوى جفني. أين طفلتي القمرية ؟. دخلت شقيقتي وفي يدها طفلتي. لا أستطيع الحركة، ولا الكلام. لم أعد أحتمل حمل أجفاني الثقيلة، فسقطت مني، وذهبت إلى حيث لا أدري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى