المنهج المعرفي وتأثيره على البرنامج التربوي واساليبه العلمية


الشيخ الدكتور أيمن المصري
المفهوم الفلسفي لحقيقة التربية بوجه عام هو بمعنى تنمية الاستعدادات الذاتية الموجودة في طبيعة الأشياء بتهيئة الشرائط البيئية المناسبة لتكاملها، ورفع الموانع الخارجية التي يمكن أن تقف حجر عثرة أمام التطور الطبيعي لها, وهذا الأمر يقتضي أن يكون المربي واقفاً على طبيعة الشيء الذي يريد أن يربيه وعلى استعداداته الذاتية أوّلاً، وكذلك الشرائط والموانع المختلفة التي يمكن أن تحيط بهذا الشيء وتؤدي إلى تكامله أو انحطاطه في مسيرة حياته ثانيا.
فالمنهج التربوي للإنسان المبتني مثلا على كون الإنسان موجودا ماديا سيختلف بطبيعة الحال عن المنهج التربوي القائم على كون الإنسان مركبا من روح مجردة وبدن مادي.
لأن الرؤية الكونية المادية ستؤدي بالمربي إلى وضع برنامج عملي يلبي الرغبات المادية ويؤمن الحاجات الجسمانية فقط دون النظر بأي اعتبار للجانب الروحي والمعنوي فيه، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة على المستوى الأخلاقي والأسري والاجتماعي، كما هو حاصل الآن في الغرب,والرؤية الفلسفية المبنية على البراهين العقلية قد أثبتت في الفلسفة الإلهية وجود مبدأ إلهي للعالم والإنسان، ومعاد يرجع إليه الإنسان للحساب ويكون مقره النهائي، وأثبتت أيضا في علم النفس الفلسفي أن الإنسان له نفس مجردة عن المادة تشكل حقيقة الإنسانية، وهي من سنخ عالم الغيب وقد تعلقت بهذا البدن العنصري في هذه الحياة الدنيا من أجل التدرج في مراتب الكمال بالعلم والعمل الصالح الحاصل لها بالأفعال الاختيارية.
وبناءً على هذه النظرية الفلسفية لحقيقة الإنسان، فإن المنهج التربوي المناسب لطبيعته الذاتية ينبغي أن يعتني أولا وبالذات بتنمية الاستعدادات الروحية المعنوية والعقلية للإنسان ورفع كل العقبات التي يمكن أن تحول بينه وبين تكامله المعنوي، ثم بالعناية بالتربية والصحة البدنية في المرتبة الثانية من حيث أن الجسم آلة الروح ومركبها في هذه النشأة الطبيعية، ولذلك يقال أن العقل السليم في الجسم السليم.
أن تقوية العقل النظري في الإنسان إنما يكون بتحصيل العلوم العقلية الحقيقية من المنطق والفلسفة الميتافيزيقية من أجل بناء الرؤية الكونية الصحيحة والواقعية عن حقيقة العالم ومبدأه ومنتهاه وعن طبيعة الإنسان، وبالتالي معرفة النظام الأخلاقي والتربوي المناسب للإنسان في هذه الحياة الدنيا,وأما تقوية العقل العملي فيكون عن طريق ترويض القوى البدنية الشهوية والغضبية في الإنسان وإخضاعهما لأحكام العقل العملي بحيث يؤديان وظائفهما الطبيعية تحت إشرافه على طبق الموازين العقلية الأخلاقية الوسطية والمعتدلة بعيدا عن الإفراط والتفريط من أجل الوصول إلى حالة الاعتدال والاتزان النفسي وتحصيل ملكة العدالة للإنسان.
والنتيجة الحاصلة من كل هذا أن المنهج التربوي الفلسفي هو منهج قائم على اعتماد العقلانية البرهانية الصحيحة كمنهج معرفي في التفكير والانطلاق من رؤية كونية واقعية على مستوى الفكر يؤديان إلى اعتماد برنامج تربوي واقعي وصحيح يأخذ في نظر الاعتبار تنمية الجانب المعنوي والمادي معا في الإنسان من أجل تحصيل السعادة الحقيقية للإنسان والوصول إلى المجتمع الإنساني المثالي.
لا شك أن الإنسان هو أشرف المخلوقات في هذا العالم من جهة الإمكانات الطبيعية والاستعدادات الذاتية التي وهبها له الباري تعالى، وفي صلاح الإنسان صلاح العالم وسعادة المجتمع البشري،وفي فساده فساد العالم وشقاء المجتمع البشري,ومن هنا تكمن أهمية البحث عن المنهج التربوي الصحيح والمناسب للإنسان، وتتبين عظم المسؤولية الملقاة على عاتق علماء التربية الذين يضعون أصول المناهج التربوية، والمربين الذين يباشرون التربية بأساليبها المختلفة،حيث إن هؤلاء جميعا هم صناع البشر ومعلمو الإنسانية,ولكن ينبغي الإشارة هنا أوّلاً إلى أن هناك فرقا كبيرا بين الصناعة والتربية، وثانيا أن تربية الإنسان تختلف كثيرا عن تربية سائر الكائنات من النباتات والحيوانات.
والمفهوم الفلسفي لحقيقة التربية بوجه عام، هو بمعنى تنمية الاستعدادات الذاتية الموجودة في طبيعة الأشياء بتهيئة الشرائط البيئية المناسبة لتكاملها، ورفع الموانع الخارجية التي تحول دون تطورها الطبيعي،كل ذلك دون أي تحميل أو فرض خارجي على خلاف طبيعتها كما هو الحال في الصناعة,وبناء على هذا المفهوم، فإن أصول البرنامج التربوي وأساليبه العملية سوف تتوقف على معرفتنا لطبيعة الأشياء التي نريد أن نربيها،ومعرفة ما ينفعها حتى نهيئه لها،ومعرفة ما يضرها حتى نحميها منه.
إن المنهج المعرفي الذي نتبناه في بناء الرؤية الكونية هو المنهج العقلي البرهاني الأرسطي، الذي ينطلق من المقدمات العقلية البديهية المشتركة بين جميع الناس،كامتناع اجتماع النقيضين واحتياج كل حادث إلى علة،وحسن العدل وقبح الظلم،وغيرها من القضايا الأولية والبينة بذاتها,وهذا المنهج العقلي بما أنه يبتنى على مقدمات يقينية صادقة ومطلقة، فإنه يؤدي إلى نتائج يقينية صادقة ومطلقة كذلك،كما تبين ذلك في صناعة البرهان من المنطق الأرسطي,وقد ظل هذا المنهج العقلي حاكما على الفلسفة وعلم الرياضيات والطبيعيات أكثر من عشرين قرنا منذ زمان المعلم الأول أرسطو،وقد اعتمد عليه الفلاسفة الإسلاميين كذلك في تثبيت أصول العقيدة الإسلامية وقراءتهم العقلية لها.
أما في الغرب فقد تعرض المنهج العقلي البرهاني مع بداية القرن الثاني عشر في الجامعات الغربية لاسيما جامعتي باريس واكسفورد إلى هجوم وانتقادات شديدة، ولم يكن هناك للأسف حينئذ من يتصدى للدفاع ورد تلك الشبهات الباطلة عنه، الأمر الذي أدى بمرور الزمن إلى إقصائه بالكلية كمنهج تحقيقي عن المباحث العلمية وسائر المباحث الإنسانية،باستثناء بعض العلوم الرياضية,وقد تم استبداله مع بداية القرن السابع عشر بالمنهج الحسي الاستقرائي على يد أمثال فرنسيس بيكون وجون لوك وغيرهم الذين أحدثوا انقلابا كبيرا في فلسفة التربية والتعليم على مستوى المنهج والغاية كما سنبين بعد ذلك,وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى القضاء على الفلسفة الميتافيزيقية في الغرب وبزوغ نجم الفلسفة المادية بمذاهبها المختلفة سواء كانت ليبرالية أو ماركسية, وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على النظام التربوي في الغرب الذي اعتمد في أصوله التربوية على هذين العلمين بنحو رئيس،مما أدى إلى ظهور مناهج تربوية كثيرة مخالفة للعقل والشرع وللطبيعة الإنسانية الواقعية بحسب النظرة الفلسفية،حيث طغت عليها النزعات المادية والاهتمامات الدنيوية،وأغفلت الجانب الروحي والأخروى في الإنسان.
أما من أعتمد على المنهج العقلي البرهاني من الفلاسفة العقليين والحكماء الإلهيين فقد توصلوا في مباحثهم الفلسفية إلى رؤية كونية إلهية للعالم والإنسان،مفادها وجود مبدأ إلهي حكيم خلق العالم والإنسان على طبق النظام الأصلح، وأن الطبيعة الإنسانية مؤلفة من روح مجردة تمثل حقيقة الإنسان وبدن مادي تعلقت به هذه الروح للاستكمال العلمي والأخلاقي عن طريق الأفعال الاختيارية، ثم ترجع هذه الروح إلى بارئها بعد الموت وانقطاع علاقتها مع البدن حاملة معها ما حصلته في هذه الحياة الدنيا من العلوم والملكات الأخلاقية، لتواجه جزاءها بعد ذلك بالسعادة أو الشقاء، حيث إن الجزاء من لوازم العمل.وهذه الرؤية الفلسفية الميتافيزيقية للعالم والإنسان قد انعكست بدورها على أصول المنهج التربوي للإنسان عندهم، حيث أصبح هذا المنهج قائما على أساس محورية المبدأ الإلهي، وتعلق الإنسان به من حيث المبدأ والمنتهى, ويعتمد المنهج التربوي الفلسفي على أصلين رئيسين: والعقل النظري هو المسؤول عن إدراك المعاني الكلية المجردة عن المادة الجسمانية التي تسمى بالمعقولات، كمعنى الحرية والعدل، وكذلك عن سائر عمليات التفكير العلمى والفلسفي، حيث إن التفكير عندهم هو عبارة عن حركة الذهن في المعقولات المؤدية إلى استنتاج نتائج كلية.
والأهم من ذلك هو أنه يتعلم البحث العلمي الموضوعي المجرد عن العواطف والميولات النفسانية التي يمكن أن تعوق الطالب عن الوصول إلى الحقيقة الواقعية، وتوقعه في الخطأ، كما هو الحال في المباحث العقائدية.
ومجموع العلوم كلها، أي المنطق والرياضيات والطبيعيات والفلسفة الإلهية يسميها الحكماء بالحكمة النظرية، والتي يكون الغاية منها هو معرفة ما هو كائن في الواقع في عالم الطبيعة وما وراءها، وتنتهي بتأسيس الرؤية الكونية الواقعية حول العالم والإنسان, ومن الواضح أن هذا المنهج التعليمي الفلسفي يباين تماما المنهج التعليمي المتبع في مدارسنا وجامعاتنا في المنهج والغاية.
أما بالنسبة للمنهج، فالطالب لا يدرس علم المنطق في المرحلة الابتدائية ولا يتعلم قواعد التفكير الصحيح أولا،بل يعتمد مباشرة على المنهج الحسي الاستقرائي – باستثناء العلوم الرياضية – ويعكف على دراسة العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخ والجغرافيا طوال مدة دراسته. وعندما يصل إلى المرحلة الثانوية ويفتح أمامه باب التخصص، يخير الطالب بين ثلاثة علوم: الرياضيات والطبيعيات والعلوم الإنسانية التي يسمونها بالإنسانيات أو الأدبيات، حيث لا يعدونها من العلوم أصلا، وتشمل الفلسفة والأدب والتاريخ وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والحقوق والسياسة.وهذا المنهج بطبيعة الحال قد أدى إما إلى الجمود وعدم الإبداع أو أدى إلى ظهور نظريات سطحية وغريبة ومخالفة للعقل والدين، لاسيما في مجال علمي النفس والاجتماع وما يتوقف عليهما من العلوم التربوية كما أشرنا إلى ذلك من قبل ,أما بالنسبة للغاية المطلوبة من البحث العلمي في جامعتنا ومحافلنا العلمية فلم تعد هي معرفة حقائق الأشياء ومبادئها الأولى كما كان في الماضي،بل هي معرفة الأسباب القريبة للظواهر الطبيعية من أجل تسخيرها لمصالح الإنسان المادية والدنيوية لا غير,وهذه الغاية قد أدت إلى غياب التوجهات الفلسفية الإلهية والقيم المعنوية،ورسوخ الاتجاهات المادية والإلحادية بين أكثر العلماء والمحققين وتسخير الانجازات العلمية فيما ينفي المصالح العليا الإنسانية، فتحقق التطور المادي وضاعت القيم الإنسانية المعنوية.
جميع الأحاسيس العاطفية والميولات النفسانية ترجع عند فلاسفة النفس والأخلاق الإلهيين إلى قوتين نفسيتين هما القوة الشهوية التي تجلب النفع لبدن الإنسان والغضبية التي تدفع عنه الضرر،وهما موجودتان في الإنسان بمقتضى الحكمة الإلهية من أجل حفظ البدن الذي هو آله لاستكمال الروح بحسب العناية الإلهية.
ولذلك يؤكد الفلاسفة الإلهيون ضرورة أن تعمل هاتان القوتان بنحو طبيعي تحت رقابة العقل العملي وإشرافه حتى لا تتجاوزا حدودهما بنحو يؤدي إلى إلحاق الضرر بالبدن أو الروح.
وهذه الحدود والمعايير القانونية يعينها ويرسمها لهما العقل النظري بنحو كلي على طبق المنهج العقلي البرهاني والرؤية الكونية الفلسفية، كما يرسمها لهما الشرع المقدس المؤيد من العقل النظري بنحو جزئي تفصيلي.وقد وضع الحكماء نظاما أخلاقيا تربويا وسطيا على أساس أن كل فضيلة هي وسط بين رذيلتين، مثل أن الشجاعة وسط بين الجبن والتهور،وهكذا سائر الفضائل الأخلاقية،وجعلوا الغاية من هذا النظام هو حصول حالة الاعتدال في قبال حالتي الإفراط والتفريط، والتي سموها بملكة العدالة الأخلاقية.
وقد أيد الدين الإسلامي المبين هذا النظام الأخلاقي وأضاف إليه المزيد من الأساليب التربوية التفصيلية التي تهدف إلى تحقيق العدالة الفردية كمقدمة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
وأصبحنا نرى طلبة العلوم والمعلمين يتنافسون في التعليم والتعلم، لا من أجل معرفة حقائق الأشياء وبناء الرؤية الكونية الواقعية والنظم الأخلاقية والتربوية، بل من أجل تحصيل المدارك العلمية التي تمكنهم من العمل بعد ذلك في المؤسسات الاجتماعية المختلفة وتحصيل الأموال والمناصب الاجتماعية.
وأصبح التعامل الأخلاقي بين الأفراد والهيئات الاجتماعية والحكومات قائما على أساس المصالح المادية لا غير.
وقد ترتبت على هذا التوجه المادي المخالف للطبيعة الإنسانية في مجالي التربية والتعليم – على الرغم من التطور التقني الكبير- عواقب سلبية كبيرة، نذكر منها: تفشي الأمراض النفسية بين أفراد البشر،لاسيما في المجتمعات المتطورة ماديا, والتفكك والانحلال الأسرى,انتشار الجريمة المنظمة والانحطاط الخلقي في المجتمعات البشرية,ووقوع الكثير من مراكز البحوث العلمية والصناعية في أيدي الأشرار، مما أدى إلى تسخير الانجازات العلمية في إنتاج الأسلحة الذرية والكيمياوية والبيولوجية الفتاكة والمدمرة للعالم والجنس البشري، وضياع القيم الأخلاقية وضعف الالتزام الديني بين الشباب بعد سيطرة الأفكار والتوجهات المادية على عقولهم.ينبغي على جميع المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي إذا أرادوا الاستقلال والإبداع الفكري والتحقيق العلمي المنطقي، الرجوع إلى أصول المنهج العقلي البرهاني في التفكير وفي تحقيق أصول المسائل الإنسانية على أساس علمي موضوعي بعيدا عن المناهج التوصيفية والحسية الاستقرائية والاستحسانات الشخصية,وينبغي الاعتماد على الرؤية الكونية الفلسفية عن العالم والإنسان في تأسيس علم النفس والاجتماع وبالتالي النظام التربوي والأخلاقي المناسب للإنسان بديلا عن الرؤية الكونية المادية,وينبغي السعي للتغيير الجوهري في أصول البرامج التعليمية والتربوية المعاصرة على مستوى المنهجية والغاية التعليمية والتربوية,وينبغي تحرير المراكز العلمية والصناعية من الجهات التي تسخرها فيما ينفي المصالح الإنسانية العليا،من أجل أن يكون العلم والمنجزات العلمية في خدمة الإنسانية الواقعية والارتقاء بالإنسان وتحقيق التكامل والسعادة الحقيقية للمجتمعات البشرية.



