ذريعة “حماية الأقلية الدرزية السورية”.. باطل إسرائيلي يُراد به باطل

بقلم: محمد هلسة..
أثار توجّه نحو 100 رجل دين درزي من جنوب سوريا إلى “إسرائيل” في زيارة غير مسبوقة، تلبيةً لدعوة الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في “إسرائيل”، جدلاً واسعاً وانتقادات شديدة في ظلّ محاولات الاستقطاب الإسرائيلي للدروز والانقسامات بين مشايخ العقل. تأتي هذه الخطوة بعد تصريحات إسرائيلية تعهّدت بحماية الدروز في سوريا، مما زاد من حساسية الموقف وأثار تساؤلات حول أبعاد الزيارة وتداعياتها.
كما أنّ “إسرائيل” استبقت هذه الزيارة بخطوات متعدّدة هدفت إلى استمالة الدروز بالحوافز والإغراءات المادية من المساعدات الغذائية والطبية إلى المشاريع التنموية كبناء المدارس والمستشفيات وتمديد شبكات الكهرباء والمياه، ناهيك عن السماح للعمال السوريين الدروز بالعمل في “إسرائيل” في خطوة غير مسبوقة من قيادتها. فما الذي يجعل “إسرائيل” اليمينية المُتطرّفة “تذرف الدموع” على الدروز وتبدي كلّ هذا القدر من “التعاطف والإنسانية” تجاههم؟.
لا شكّ بأنّ الزيارة التي قيل إنها “دينية” تحمل في طياتها أبعاداً بل أطماعاً سياسية إسرائيلية تكاد لا تُخطئها العين، ولا سيما أنها تضمّنت لقاءً مع مرجعية درزية، يراها البعض، موالية للاحتلال في الداخل الفلسطيني، والأهم استغلال الإعلام الإسرائيلي تلك الزيارة وإظهارها بأنها تأتي ضمن سياق “هرولة” الأقليات في سوريا إلى طلب الحماية من “تل أبيب“.
شكّلت الاشتباكات التي وقعت بين مسلحين من الطائفة الدرزية وقوات الأمن السورية في منطقة جرمانة ذات الأغلبية الدرزية في بداية آذار، بالإضافة إلى الأحداث الدامية الأخيرة في منطقة الساحل السوري، ذريعة “إسرائيل” لتصعيد مخطّطها في سوريا من بوابة “حماية الدروز”.
والواضح من سلوك الحكومة الإسرائيلية وتصريحات مسؤوليها أنها تحاول استغلال الدروز لتحقيق أهداف استراتيجية والتدخّل بما يتجاوز الوجود العسكري الإسرئيلي في سوريا، ويكشف عن محاولتها استغلال القلق من طبيعة النظام الناشئ لتبرير بقائها في الأراضي السورية التي احتلتها عقب سقوط نظام الأسد وتبرير استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتدخّل والعبث في سوريا لتحقيق الآتي:
أولاً: تستغلّ “إسرائيل”، التي لم تكن يوماً حريصة على حقوق الأقليات، هذه الزيارة الدينية كأداة لزرع الانقسام في الصف الوطني السوري، وتسعى لاستخدام الطائفة الدرزية كخطٍ دفاعي لتحقيق مصالحها التوسّعية في الجنوب السوري، فادّعاء “إسرائيل” حماية الدروز، ذريعة واهية لا تخدم سوى أطماعها التوسّعية في سوريا.
ثانياً: وفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية فإن “إسرائيل” تسعى كذلك إلى إقناع دروز سوريا برفض الحكومة الجديدة في دمشق والمطالبة بحكم ذاتي ضمن نظام فدرالي، وإنها تخطط لإنفاق أكثر من مليار دولار لتحقيق هذه الغاية. فالتدخّل في شؤون دروز سوريا من بوابة “القلق الأمني” يأتي لتعزيز خيار انفصالي يتمّ تمريره على حسابهم، وسيكون له تأثير كبير على هوية الدروز وتأريخهم ومستقبلهم وعلاقتهم مع العالمين العربي والإسلامي. فـ “إسرائيل” تراهن على أنّ الطائفة الدرزية ستستغلّ حالة عدم الاستقرار لتطالب بحكم ذاتي موسّع في المناطق التي تشكّل فيها أغلبية، خاصة في جنوب سوريا.
ثالثاً: ربما تسعى “إسرائيل” لجرّ بعض ضعفاء النفوس إلى حروب أهلية عبر تحريض دروز سوريا على وطنهم السوري، بما يساعد في تحقيق نيّات العدو الخبيثة بالتسلل إلى سوريا تحت العنوان الأمني، من خلال إثارة هواجس ومخاوف والبناء عليها وتدشين مرحلة تقسيم سوريا من بوابة الجنوب. الأمر ليس أمنياً كما تحاول “إسرائيل” تسويقه، بل يطال مستقبل سوريا الموحّدة من جهة، وحفظ الإرث الوطني السوري لأبناء جبل العرب، وإرثهم العربي والإسلامي الذي أسسوا له وحافظوا عليه على مرّ تأريخهم من جهة أخرى، إذ تحاول “إسرائيل” إضعاف الطائفة الدرزية من خلال محاولات لفصلها عن محيطها العربي والإسلامي لأهداف سياسية.
رابعاً: بات، على ما يبدو، الوضع جلياً بالنسبة إلى الجنوب السوري أيضاً، إذ يُفتّش الإسرائيلي على “حجّة” للبقاء لأجل غير مسمّى في المناطق التي وضعها تحت سيطرته بعد سقوط الأسد، لهذا قد يكون هذا الوفد الدرزي الزائر، الذي سلك الطريق التي استحدثها المحتل في الجولان السوري، قد أعطاه الذريعة نفسها.
على أية حال، يعتقد كثيرون أنّ التحرّكات الإسرائيلية في سوريا تنبع من قرار نشط لإحداث تغيير استراتيجي دراماتيكي في شمال “إسرائيل”، وأنّ التدخّل الإسرائيلي في سوريا لن ينتهي، وبالتأكيد ليس في وقتٍ قريب، حيث يؤكد كبار مسؤولي “الجيش” الإسرائيلي أن “البقاء هنا يفتح المجال للسيطرة على مساحات شاسعة في لبنان وسوريا، وهو أمر لم نكن نحلم بتحقيقه“.
وتؤكد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كذلك أنّ المنطقة المواجهة لسوريا أصبحت مقسّمة إلى ثلاثة أجزاء؛ الأول هو المنطقة الأمنية داخل المنطقة العازلة على مسافة تصل إلى 15 كم من الحدود الإسرائيلية. والثاني يسمّى المنطقة الأمنية، وهي فعلياً تصل إلى خط الهضبة السورية، بعرض 15 كم وطول 80 كم، والجزء الثالث هو منطقة النفوذ، جنوب دمشق وحتى طريق دمشق – السويداء شرقاً. وبحسب كاتس، فإنّ كلّ إجراء تتخذه “إسرائيل” في لبنان وسوريا “يحظى بدعم أميركي”، مُلمّحاً إلى “أننا نتعامل أيضاً مع خيارات سياسية في سوريا“.
تطمح “إسرائيل” عبر سياسة العصا والجزرة، إلى سلب الدروز هويتهم العربية، مستفيدة من الفوضى الأمنية والتحريض الطائفي الذي يبثّه البعض ضد الدروز ليعزّز بذلك خوفهم من إخوانهم العرب السوريين، ويقوّي شوكة “الهويّة الدرزية الإسرائيلية” المُختلقة. يتجاهل هؤلاء، أن “إسرائيل” تميّز حتى بين اليهود أنفسهم، وأنها مهما منحت الدروز العرب من “حقوق”، فإنها لن تتخلّى عن أصل وجودها كـ “دولة” عنصرية لليهود دون غيرهم.
وبينما تستمر “إسرائيل” في محاولاتها لتعزيز نفوذها في جنوب سوريا من خلال استغلال العلاقات مع الأقليات، يبقى موقف الدروز السوريين واضحاً: هم جزءٌ من النسيج السوري ولن يكونوا ورقة في أيّ لعبة سياسية، وهو ما عبّروا عنه في احتجاجات شعبية وبيانات أكدت رفضهم أيّ تدخّل إسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية مجدّدين الدعوة إلى انسحاب “الجيش” الإسرائيلي من بلادهم.
يبقى أن نرى كيف تتعامل “إسرائيل” مع هذه التحدّيات، وكيف يحافظ الدروز السوريون على هويتهم الوطنية في ظلّ التحدّيات الإقليمية المتزايدة!. فهل ينجح نتنياهو، باختطاف الدروز إلى موقع غير موقعهم التأريخي، أم يُفلح الدروز في تفويت الفرصة على أطماع “إسرائيل” في الجنوب السوري ووأد الفتنة في مهدها؟.



