صفحات من جمهورية الفقراء عصــابة حجيـــة كـــاشيــة


عبد الكريم ابراهيم
ما يميز النساء في وقت مضى، احتفاظهن بالنقود بداخل او طرف “عصّاباتهن”، وبهذا تصبح هذه الاشياء السوداء كأنها مصرف متنقل لحفظ ما غلا ثمنه. اشهر “عصّابة” شاهدتها في حياتي، وربما تدخل موسوعة غينيس للارقام القياسية لو قدر لها، هي “عصابة حجية كاشية”. اضحت قطعة القماش السوداء الملفوفة عبارة عن مكان لخزن كل شيء يخطر على البال، من الإبرة إلى المفتاح فضلاً على النقود، وهذه الأخيرة لها خصوصية في المعاملة من خلال عقدها بطرف “العصّابة” يصعب على الآخرين فك رموزها السرية.
“حجية كاشية” كانت دائماً توبخ زوجات ابنائها واتهامهن بالإهمال والتقصير وعدم المحافظة على الاشياء، ومرددة مقولتها التي لا يعرفها أهلها فقط، بل كل اهل المنطقة “نسوان هذا الوكت نسوان! لو بيهن خير جان عرفن شدة العصابة”.
“عصابة حجية كاشية” لا تكاد تخلو من شيء سواء اكان ثميناً ام بخساً؛ لان الحرص سمة تغلف اغلب اعمالها، برغم كبر سنها الذي تجاوز الثمانين عاماً. سلمت عليها في احد ايام العيد وقلت لها “عيدج مبارك بيبي”، نظرت اليّ وقالت “يمه هذا انت كرومي؟ تعال حتى ابوسك”، ما ان اقتربت منها حتى انهالت علي تقبيلاً وهي تفرك وجنتي بكل قوة، ثم مدت يدها الى خزانتها التي فوق رأسها واخرجت “جكليته”، وقالت “هاي الجكليته للعزيز ابن العزيز”.
بعض الجيران، ولا سيما نسوة الحي، يتحاشين النظر والكلام مع “حجية كاشية”، حيث أشعن بان عيونها من النوع الحار الذي “يوكع الطير بالسما”. وفعلاً، بعد حادثة سلامي عليها، مرضت طوال ايام العيد، ولم ينفع حرمل جدتي وطقطقاته عند المغرب في ان يطرد عني عيون هذه المرأة، التي برغم كل ما يقال عنها، فاني أعدها إنسانة حريصة على بيتها ونظافة نفسها حيث تفوح منها رائحة المسك المخلوط بالقرنفل.جدتي (رحمها الله) دائما تحذرني من الحديث معها وتقول عنها ان “عينها تحرك حرك”، وبرغم كل هذه التحذيرات المجربة، يدفعني الفضول الى معرفة ما في “عصابتها”، وهل يوجد سحر فيها كما يشاع؟ في يوم من الايام تسللت خلسة الى فناء دارها وهي خالعة “عصابتها” كي تعيد تركيبها من جديد. احست هذه المرأة بوجود حركة ما، فقالت “منو هناك”، وعندما لم يكن بد من الظهور امامها والاعتراف بالذي قادني الى فعل هذا العمل، قالت لي “هذا انت كرومي، اكعد يمي”. كنت خائفا، مستذكرا نصائح جدتي بعدم الاقتراب من هذه المرأة. بعد ان اكملت لف “عصّابتها” بكل مهارة، وهي تعيد اليها بعض الاشياء التي كانت تعتقد انها ثمينة كالمفاتيح والاحراز وبعض النقود المعدنية، اما النقود الورقية فخير طريقة لحفظها هو عقدها بطرف “العصّابة” بإحكام. وبعد ان انتهت من كل هذا وانا انظر اليها والخوف يتملكني، قالت “اي كرومي، شلونك”؟ وانا اجيبها “بيبي اني زين”. في نهاية هذه المغامرة اعطتني عشرة فلوس وقالت “روح برد كلبك ابطل كولا”، علما ان المعروف عن “حجية كاشية” انها من النوع البخيل حتى مع احفادها، ومن النادر ان تعطي مبالغ مالية حتى في أيام الأعياد.توفيت “حجية كاشية” بعدما بلغت التسعين من العمر، فتذكرت “عصابتها” الكبيرة، والعشرة فلوس التي اعطتنيها، فعرفت ان كل ما يقال عنها مجرد اشاعة من نسيج خيال بعض عجائز الحي، قد تقف وراءها الغيرة والحسد من الاشياء الجميلة والنظيفة.



