من أوراق ثورة العشرين: معركة الرارنجية


علي العامري
من المعارك التي يتناقلها أبناء العراق جيلا بعد جيل، لما تحتويه من حب الوطن والجهاد في سبيل الله من شعب تنقصه الكثير من المستلزمات العسكرية، من خطط وسلاح ومؤن وغيرها، إلا أن أبناء الرافدين من عشائر ورجال دين ومثقفين استطاعوا هزيمة القوات البريطانية المدججة في العدة والعدد، إلا إن سلاح الإيمان تفوق على ذلك كله. وهي أحدى حلقات ثورة العشرين الخالدة التي حدثت في 24/ 7 / 1920.
ترك الثوار الكوفة وأودعوا أمر مقاومة القوة الانكليزية المحصورة فيها إلى قبائل بني حسن التي يرأسها الشيخ علوان الحاج سعدون، وأستقر رأيهم على أن يقطعوا خطوط المواصلات البرية والنهرية على هذه القوة، فتضطر إلى التسليم من تلقاء نفسها. فاضطربت الحكومة الانكليزية لهذا القرار وصارت تحسب له ألف حساب.
كانت الحلة خالية من قوة مهمة تستطيع مقاومة الثوار فيما لو عاجلوها بالزحف عليها، بيد أن تأخر العشائر عن هذا الزحف حمل الميجر “بولي” حاكم لواء الحلة السياسي يومئذ على أن يقرر إرسال قوة من حاميته إلى الكفل وفك الحصار عن الميجر “نوريدي” والقوة المحاصرة عن خاناتها من جهة أخرى. وفي الوقت الذي كانت الباخرة الانكليزية “فاير فلاي” تعيش في الكوفة وتدوي مدافعها في شطها، كانت الحلة لا تزال تتظاهر بالهدوء والسكينة، ما حمل الميجر “بولي” بوجوب الإسراع في إرسال هذه القوة، فألح كل الإلحاح على قائد الحلة الكولونيل “لوكن” بلزوم إرسالها على عجل، واخذ في الوقت نفسه يحصن الحلة ويحشد القوات اللازمة فيها استعداداً للطوارئ.
وفي 23 تموز بعد الظهر تحرك رتل “مانجستر” بقيادة الكولونيل “مارد كاستل”، وقد بات ليلته في منطقة تبعد عن الحلة بخمسة أميال في منطقة “إمام بكر”، والقوة الانكليزية تعدادها 8 آلاف جندي. وقد صدرت الأوامر إلى هذا الرتل بأن يحذر من القبائل التي يصادفها في طريقه وأن لا يتأخر في أطلاق النار عليها إذا شم رائحة العداء للحكومة، وأن يحصن المعسكر الذي يقضي فيه ليلته وان يتريث في حركته، أملاً بوصول نجدات من الديوانية. غير أن الميجر “بولي” كان يلح على الرتل بسرعة التقدم إلى الكفل قبل أن يتمكن الثوار من احتلال سدة الهندية، فيكون أمر الفرات وإنقاص مياهه وتعطيل الحركات النهرية فيه بيدهم. وقد نجح الميجر “بولي” في إلحاحه، فصدرت الأوامر إلى الحملة بالتقدم إلى الأمام حتى وصلت عند قناة الرارنجية في المقاطعة المسماة باسمها، فكانت هذه القناة بمقام خط دفاعي نظراً لانخفاضها.
بدأ الجنود الانكليز يحفرون الخنادق ويقيمون السدود ويحصنون المعسكر حسب الأوامر الصادرة إليهم، إذ كانوا ينوون أن يقضوا الليلة الثانية في هذه القناة “الرارنجية”، وإذا بقوة الاستطلاع تنبئ عن زحف الثوار من الكفل بقوة تتراوح بين 2500 ـ 3000 مقاتل، فذعرت الحملة لهذا النبأ، وأراد ضباطها أن يصدروا الأوامر بالعودة إلى الحلة، ولكن التعب كان قد أعيى أفرادها، حتى قرر طبيبها الخاص أنهم بحاجة إلى استراحة لمدة 24 ساعة. غير أن الكولونيل “هارد كاستل” شاهد الثوار وهم يتقدمون، فاصدر أمره إلى البطرية بإطلاق النار على الثوار. وتوارد الثوار على القوة الانكليزية من كل مكان حتى صاروا على مسافة 300 قدم، فألتحم الفريقان في معركة هائلة ومجزرة بشرية فظيعة حمل فيها السلاح الأبيض على المدافع التي كانت البطرية قد استعملتها في بادئ الأمر.
وبينما المعركة كانت حامية الوطيس تقدم الشيخ مرزوك العواد رئيس عشيرة العوابد من الجهة الأخرى بتقديم الدعم العسكري للثوار من محور ثانٍ وصار الإنكليز بين نارين حاميتين واظهر الثوار من الفنون الحربية والخطط العظيمة ماحير العقول. ويروي المرحوم السيد هادي الحسيني عن والده السيد بخيت الحسيني أن الشيخ مرزوك العواد جاء بعشائره من منطقة الهندية التابعة إلى كربلاء حاليا، وأضاف السيد هادي أنه قدم لهذا الجيش التمر واللبن في دارهم الواقعة في منطقة “أم طوب” ـ والطوب هو المدفع لان قذائفه كانت تسقط في هذه المنطقة وبقي اسمها لهذا اليوم ـ بعد ذلك سلكت هذه القوة جدول الكفل ثم دخلت المعركة وقامت بالالتفاف حول معسكر الإنكليز.
واضطربت صفوف القوة المعادية فتفرقوا أيادي سبأ وصار الجنود يقتل بعضهم بعضاً، ظناً منهم بأنهم من الثوار المجاهدين. وعندما جنّ الليل كانت الهزيمة الفظيعة، ولم ينجُ من المعركة إلا القليل، وهكذا خسر رتل “مانجستر” في هذه المعركة 20 قتيلا و60 جريحا و318 مفقودا وعددا كبيرا من العجلات والخيل والبغال، وقد أسر الثوار من المفقودين 160 جنديا بينهم 79 إنكليزيا والباقي من الجنود، وغنموا مدفعا من عيار 18 باوند وقد استخدمه الثوار في ضرب وإغراق الباخرة “فاير فلاي” في شط الكوفة، كما غنموا 59 رشاشا مع كميات هائلة من الرصاص والعتاد. ويمكن القول أن معركة الرارنجية موّنت الثوار بكل ما تحتاج إليه الثورة من أنواع العتاد، فضلا عما كان في أيديهم من سلاح.



