اخر الأخباراوراق المراقب

المنافقون في القران الكريم

الآيات: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)
ولكن: ما هي بواعث هذه الإزدواجية؟ وما هي المنطلقات التي ينطلق منها المنافقون في موقعهم هذا؟
إنّ الآية التالية تكشف عن أن محاولة (خداع) المؤمنين هي الباعث وراء المنافق، إنّ المنافقين يحاولون أن يخدعوا المؤمنين لكي يحقّقوا أغراضهم، وينالوا بعض المكاسب والامتيازات الظاهرية.
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)
وحيث إنّ المؤمنين يمثّلون الخط الصحيح الذي أراده الله تعالى في الحياة؛ لذا تكون محاولة خداعهم في حكم محاولة خداع الله سبحانه.
ومن هنا كانت الآية (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)
وفي ذلك تسلية للمؤمنين لئلاّ يثقل تحمل الأمر عليهم، كما أن في ذلك تشريفاً لهم أيضاً، كما ذكروا نظيره في قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ).
حيث إنّ سهم الله تعالى يتعلّق بالرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكن مع ذلك أدخل الله نفسه تشريفاً للرسول (صلى الله عليه وآله) ولذي القربى وتكريماً لهم).
قال في الظلال: «وفي هذا النصّ وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة، وأمام تفضُّل من الله كريم، تلك الحقيقة هي التي يؤكّدها القرآن دائماً ويقرّرها، وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين. إنّه يجعل صفّهم صفّه، وأمرهم أمره، وشأنهم شأنه، يضمّهم سبحانه إليه، ويأخذهم في كنفه، ويجعل عدوّهم عدوَّه، وما يُوجّه إليهم من مكر موجّهاً إليه ـ سبحانه ـ وهذا هو التفضّل العُلوي الكبير، التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق، والذي يوحي بأنّ حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق، والذي يسكب في قلب المؤمن طُمأنينةً لا حدّ لها، وهو يرى الله جلّ شأنه يجعل قضيته هي قضيته، ومعركته هي معركته، وعدوّه هو عدوّه، ويأخذه في صفّه، ويرفعه إلى جواره الكريم، فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير؟.

«وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للّذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم، وإيصال الأذى إليهم. تهديد لهم بأنّ معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم، وإنّما هي مع الله القويّ الجبار القهّار. وإنّهم إنّما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه، وإنّما يتصدَّون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة.
وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبّرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين، ولا خداع الخادعين، ولا أذى الشرّيرين، ويتدبّرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا مَن الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدَّون للمؤمنين).
وهنالك احتمالات أُخَر تتضّح من ما يأتي إن شاء الله تعالى.
معنى (المخادعة) وحيث إنّ (الخداع) من جانب واحد ـ وهو جانب المنافقين ـ حيث إنّهم هم الذين يحاولون خداع المؤمنين، فقد كان المفروض أن تكون العبارة (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا).. وإنّما عدل عن ذلك إلى «يخادعون» للدلالة على تكرار صدور هذا العمل منهم(5)، أو لما ذكره صاحب الكشاف بقوله: «عنى به فعلتُ، إلاّ أنه أخرج في زنة فاعَلْتُ؛ لأنّ الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار، لزيادة قوّة الداعي إليه، ويعضده قراءة من قرأ (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا).
وقيل: إنّ المفاعلة قد تقع من جانب واحد، كقولهم: (عافاه الله) و(عاقبت اللِّصَّ) و(طابقت النعل)، فكذلك (يخادعون) إنّما هو من جانب واحد، فتأمّل.
وهنالك رأي ثالث يبقي الكلمة على أصلها، فيرى أنّ المخادعة من الطرفين، وذلك بتقريب: أنّ صورة صنعهم مع الله ـ حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون ـ صورة صنع المخادعين، وصورة صنع الله معهم ـ حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار ـ صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم، حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكام المؤمنين عليهم.
ورأي رابع: يرى أنّ ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنّهم أنّ الله ممّن يصحّ خداعه، وذلك لأنّ من كان ادّعاؤه بالله نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، ولا أنّ لذاته تعلُّقاً بكل معلوم، ولا أنّه غني عن فعل القبائح، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، وتجويز أن يدّلس على عباده ويخدعهم ـ تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً ـ.

وقد يقرّر هذا الوجه بنحو آخر، وهو أنّ المنافقين كانوا يعتقدون ـ لعمى بصيرتهم ـ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) خدّاع توسّل بالدين والنبوّة وجمع حوله السذَّج من الناس ليكون له حكم وسلطان، ومن هنا راح المنافقون يتوسّلون بالخدعة لمقابلة خدعة النبي (صلى الله عليه وآله) ـ حاشاه ثمّ حاشاه ـ فالتعبير القرآني المذكور يوضّح ـ إذاً ـ لجوء المنافقين إلى الخدعة، ويبّين كذلك نظرة هؤلاء الخاطئة إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ولكن الآية الكريمة تردُّ على هؤلاء وتقول: إنّ الخداع من جانب المنافقين فقط ـ كما هو ظاهر كلمة (يخدعون) في المقطع التالي من الآية الكريمة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى