النظام العالمي نحو التعددية رغم ضجيج ترامب

بقلم: وسام إسماعيل..
منذ تولّيه منصبه الشهر الماضي، أطلق الرئيس الأمريكي، سلسلة من المواقف ذات السقوف العالية التي توحي ترجمتها بتربّع الولايات المتحدة على عرش النظام العالمي من دون منافسة.
فالإطار الذي رسمه لإعادة تشكيل الخريطة العالمية لم يلتزم حدود البحث في كيفيّة صياغة سياساته بحيث يقنع الحلفاء والخصوم بجدوى التسليم بأحاديته وضمان موقعه الريادي على اعتبارهما مصلحة عالمية وإنما تخطّاها بما يمكن أن يُفهم على أنه امتلاك لفائض من القوة التي تسمح بفرض مطالبه بطريقة متفلتة من الأطر الشكليّة للانتظام الدولي الذي تكرّس بفعل السلوك الذي حكم العلاقات البينية للقوى الدولية تأريخياً.
فتأكيد التوجّه القاضي باستعادة قناة بنما أو تغيير اسم خليج المكسيك أو وضع اليد على غرينلاند وصولاً إلى رؤيته للسلام في أوكرانيا والشرق الأوسط أو لناحية تدجين الصين، لا يمكن تصنيفه في إطار السلوك أو الاستراتيجيات المتعارف عليها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي لناحية تقدير المستطاع تحصيله، بناءً على الإمكانات المتوفّرة، حيث إن الولايات المتحدة في اللحظات التي كانت تمتلك فيها من شروط التفوّق ما لا يقاص بواقعها اليوم لم تنجح في تحقيق مبتغاها إلا من خلال مروحة من التحالفات، مع الإشارة إلى أنها كانت قد التزمت بشكل عامّ بسقوف أكثر واقعيّة من طموحها الحالي.
في هذا الإطار، يُفترض الإشارة إلى أنه من الخطأ التقدير أنّ المسار الذي يعتمده دونالد ترامب يشكّل انعكاساً لشخصيته وطموحه الشخصي فقط.
فالولايات المتحدة الأمريكية لا تبني استراتيجياتها على وفق الأهواء الآنية للرئيس أو فريقه، وإنما تتبلور وفق نشاط تفاعلي تتداخل فيه مؤثّرات مختلفة، تبدأ بمراكز الأبحاث الحكومية ولا تنتهي بأطياف الدولة العميقة وبعض المفكّرين المخضرمين، في حين أنّ اللمسة التي يضفيها الرئيس أو فريقه تكاد تكون رغم أهميتها محصورة في إطار التوجّه العامّ أو التقليدي للحزب.
وبالتالي، يمكن الاستنتاج أنّ السقوف العالية التي يتبنّاها الرئيس الحالي دونالد ترامب تعبّر أكثر عمّا تعتبره آليات القرار في الولايات المتحدة خطةً تنفيذية يُمكن تحقيقها.
وعليه، تصبح الأسئلة حول السياسات الأمريكية الحالية مشروعة لناحية الغايات المرجوّة أو النتائج التي قد تنجح في تحقيقها، بعيداً عن الضوضاء أو الضجيج الذي يرافق دائماً إطلالات وتصريحات دونالد ترامب.
في السنوات الأخيرة، أظهرت الوقائع الدولية تغيّرات على مستوى سلوك القوى المنافسة للولايات المتحدة، حيث خرجت في تحديدها لسيادتها أو مصالحها من دائرة حدودها الجغرافية، لتتحرّك في محيطها الإقليمي أو على مستوى الدولي بشكل يتعدّى ما يمكن اعتباره، دفاعاً استباقيّاً في بعض الحالات.
فالالتفاف الدولي ضمن إطار بعض التجمّعات الدولية كالبريكس أو شنغهاي أو غيرها، بالإضافة إلى النشاط العسكري والأمني أو التمدّد الاقتصادي الذي لم يخجل البعض من تعريفه على أنه يستهدف الحفاظ على أمنه القومي، كالعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أو تطوير استراتيجيات الاتحاد الأوروبي الأمنية والدفاعية أو المشاريع الصينية والروسية للتمدّد الاقتصادي في أكثر من منطقة من دون أن ننسى مشاريع بعض القوى الإقليمية كتركيا والجمهورية الإسلامية، لا يمكن أن تُقرأ إلا في إطار قناعة دولية متشكّلة بضرورة التحوّل من الأحادية إلى تعدّد الأقطاب.
ومن خلال نظرة عامّة على سلوك هذه الدول، يمكن بسهولة ملاحظة جدّية تحرّكها الرافض للتوجّه الأمريكي، وإذا عطفنا ذلك الرفض على ما أعلنه دونالد ترامب خلال الفترة القريبة الماضية، سيظهر جلياً عمق الهوة بين ما تسعى إليه الولايات المتحدة وبين ما يمكن للقوى الدولية أن تقبل به. ومهما حاولنا أن نقدّر إيجابياً مدى قوة الأدوات التي تحاول الولايات المتحدة من خلالها فرض توجّهاتها، فإنها ستظهر محدودة في مواجهة ما تملكه القوى العالمية مجتمعة.
وإذا كان البعض سيعتبر أنه من غير الواقعي التقدير، أنّ القوى الدولية المتنافسة فيما بينها ستتكاتف في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة خريطة التحالفات التأريخية لبعضها مع الولايات المتحدة أو التنافس في بينها في بعض الساحات، فإنّ توجّه الإدارة الأمريكية الحالية لعدم التمييز في سياساتها التوسّعية بين حليف ومنافس ستبّرر هذا التكاتف الضمني في أقلّ تقدير، أقلّه حتى تتمكّن من تحصين ما تعتبره حقوقاً سيادية لا تسمح بالمساس بها.
وعليه، يمكن التقدير، أنّ السلوك الأمريكي الحالي الذي يسوّق له دونالد ترامب سيؤدّي إلى تأثيرات عكسية على الولايات المتحدة بحيث تدفعها النتائج المتطرّفة التي تسعى إليها، إلى مواجهة رفض دولي صلب سيؤدّي حكماً إلى تشذيب الدور الأمريكي العالمي ومحاولة ملء الفراغ الذي سيحدثه هذا التشذيب من خلال تكثيف هذه القوى لوجودها على المسرح الدولي أيّ بما يعني تكريس تعددية قطبية على حساب أحادية أمريكية متفلتة من أيّ ضوابط.



