من هنتنغتون إلى بن لادن.. الإسلام ضحية المسلمين!


نصري الصايغ
اثنان رسما معالم القرن الحادي والعشرين. صموئيل هنتينغتون، مشرِّعاً صراع الحضارات، واسامة بن لادن في غزوة نيويورك.
ليس مطروحاً إن كانا على حق. العالم يعيش اليوم وقائع “حرب حضارات” وانتظام العالم في فسطاطين. الإرهاب عنوان يومي، والقتلى على قارعة البلاد وأرصفة المدن. الإرهاب مسبوق بدعاء “الله أكبر”. العنف المنتسب إلى الإسلام الجهادي أحد تجليات القرن الحادي والعشرين. وهو عنف مستوطن في بلاد عربية ومنتشر في دول غربية، ويثير أسئلة حرجة وقاتلة عن موقع الإسلام وحالة المسلمين ومقدار التبعات التي تلحق بهم.
في حُمَّى المشهد الدموي المتنقل، تتضاءل قدرة التمييز بين الدين والمتدينين. أصيب الإسلام كثيراً، وبدا أن أصابع الاتهام مصوَّبة إليه كنص وعقيدة. تجهد القيادات السياسية في الغرب على تأكيد الفصل بين الإسلام وبين الإرهاب. وتحاول وسائل إعلام أجنبية استضافة مفكرين عقلانيين لتأكيد استقلالية الإسلام عن الارتكابات المريعة. غير أن العامة، لا تقنعها الأفكار. وما قيل عن التمييز بين الإسلام والارتكاب لم يكن مجدياً ولا مقنعاً. بدت تبرئة الإسلام، في أحيان كثيرة، وكأنها للتخفيف من وطأة “الغوغاء” المذهولة، التي شكلت مواقفها مادة دسمة لأحزاب اليمين المتطرف في العالم..
عندنا، في البلاد التي يحضر فيها الإسلام، بوجوهه كافة، ما يشبه بابل. معيب أن يكون المسلمون إزاء إسلامهم، بهذه الركاكة. لا تصلح مواقف “رِجل في البور ورِجل في الفلاحة”. معيب جداً، تصنيف الإرهاب على قاعدة، إرهاب نافع وإرهاب ضار.. معيب ان ينتمي كثيرون جداً، إلى ثقافة الفتنة وفتاوى التكفير، لأسباب سياسية مذهبية، تشطر الأمة من المحيط إلى الخليج. والمثقفون، في أغلبيتهم، على دين العامة فيهم.
الإسلام المنقسم
الصورة في الإعلام المرئي والمكتوب، تظهر إسلاماً منقسماً. حالة يائسة. المرجعيات الدينية لا تتجرأ على الوضوح. تفضل الالتباس. الالتباس لا يزيل الاتهام. حوار الأديان بلا وزن. كلام عابر وزبد مؤقت. الأصل المكتوم يبقى هو المتكأ. والأصل في المرجعيات يتبنى خفية ما تأتيه جماعته. المرجعيات السنية والشيعية، تعود إلى إسلام يخصها. ما بينهما فضيحة معلنة. الاستباحات لا تستدعي حتى الإدانات. كل مرجعية تدين إذا أصيبت جماعتها. لا يرجى من المرجعيات جواب شافٍ. علتها مزمنة. عصبيتها المذهبية تمنعها من الانفتاح. تقربها من السلطة يضعها في مصاف التابع وليس في مقام الناصح والمانع لحرام القتل والفتك.. بعض بيانات الإدانة ترجمة لموقف سياسي.. لا يُدان تفجير في الشيعة، فيما يعلو الصوت على تفجير في فرنسا. والعكس صحيح. لا أمل من جهة المرجعيات. تبدو أنها صاحبة وظيفة، وليست في وارد الجواب عن السؤال. كيف تواجه محنة الإسلام وفتنة المسلمين؟
غياب الفكر النقدي والمسؤولية الأخلاقية والهم الوطني، يترك الساحة لغوغاء المذاهب، وهؤلاء، كتّاب ومحللون ومتابعون وتابعون كذلك، وفي كل وادٍ يهيمون. إنهم جبهات متقابلة بالكلام والأفعال. وغوغاء المذاهب، “نخب” علمية وجامعية على سويات أكاديمية متقدمة. وللأسف، لا قدرة على تمييزهم عن “غوغاء المذاهب والطوائف” يستنكرون “داعش”، مضافاً إليه، “ولكن”. تمحو ما جاء من قبل أو تشكك فيه.
السؤال الجارح: أي إسلام هذا الإسلام، إن كانت مرجعياته بهذا الانقسام ونخبه بهذا الترهل؟ ألا يصح الاتهام، بعد ذلك: المسؤولية لا تقع على التكفيريين والأصوليين والسلفيين وحدهم، بل تقع على هذه القيادات وهذه النخب؟ ألا يكون الحال على منوال ” على أهلها جنت براقش”.. وقبل إلقاء المسؤولية على الآخرين، يلزم الاعتراف بخطيئة الانحياز وخطايا الانقسام وفداحات التبرير.. الاستثناءات قليلة. صورة الإسلام يرسمها المسلمون، فعلى أي صورة يرسو الدين راهناً؟
حرب “ما دون حضارية”
الاستنكار السابق لكتابات هنتنغتون من إسلاميين وعلمانيين مشرقيين، ليس مطابقاً لواقع الحال. الأمة، من الداخل، تخوض صراعاتها على قاعدة “دون حضارية”: سنية، شيعية، اثنية، قبلية الخ. لم ترق إلى صراع الحضارات إلا بوجه الغرب. وحده بن لادن أرسى هذه الحرب فعلاً، مضيفاً إليها حرب المذاهب، وعلى خطاه، مشى الزرقاوي وتمادى بها “الخليفة” أبو بكر البغدادي وشياطينه من الانغماسيين.
ليتنا في لعنة “حرب الحضارات”. إننا دون ذلك، الأمة في تنازل عن قضاياها الإنسانية والحقوقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. الأمة في غربة عن الحرية والديموقراطية وتداول السلطة ووحدة التشريع والفصل بين السلطات والمساواة بين مكوّنات الأمة، وبين الرجال والنساء. الأمة في حالة انحطاط، وحروبها حروب انحطاط، والنتائج المتوقعة، عودة إلى العصر “الجاهلي”، بإرادة دينية وسياسية.
هل يعي المسلمون ذلك؟ الحروب الدائرة تحمل عناوين إسلامية من أقسى التطرف إلى أقسى العنف. الإسلام المسالم يبدو وكأنه الإسلام الخائف أو الإسلام الكامن، حيث للروح مكانة أولى من السمو وللإنسان موقع الصدارة، ولكن بالكتمان. الإسلام المسالم ضعيف جداً، بحيث لا يكاد ينطق أو يُسمَع له صوت. إنها المحنة من عندنا، علينا وعلى سوانا على السواء.
الإسلام راهناً، هو على دين المؤمنين به، والمؤمنون، مروحة من البشر بمئات الملايين وينتشرون في أصقاع الدنيا، مجسَّدين بسلوكهم وأفعالهم. دين متعدّد المضامين والأشكال والمرامي، يشبه تعدد المرجعيات والمتكآت الفقهية، من أقصى التسامح إلى أشد أنواع البربرية والإرهاب.. وهذا دأب الديانات في بعض الحقب التاريخية، وتحديداً عندما يصبح الدين مشروعاً سياسياً.
“النص أخرس يُنطقه الرجال”. وهذا نهج الديانات في تاريخها المديد وسياقاتها المتعرجة بمستوياتها الرفيعة ومراتبها الوضيعة.
العلمانيون غائبون
النص بريء من الفتاوى والفتن. الدين بريء مما ينسب إليه من أفعال، يأتيها المؤمنون.
أفعال المؤمنين تشبههم وقد لا تشبه النص. الممارسة اختصاص بشري. وبالاستنتاج ينسب الإرهاب إلى مرتكبه وليس إلى دينه. أساس المشكلة قائم في عدم اكتفاء الدين بنصه ورغبته في الاستحواذ على السلطة وإدارة السياسة وادعاء حق الأمرة له وحده، بما يفترض جعل الهوية الإنسانية، دينية أولاً وأخيراً. الدين والسياسة مشروع فتنة وحروب. التاريخ صادق في نقل الصور البشعة للحروب الدينية والمذهبية الدموية.
المسيحية أُخرجت من السياسة بعد مئات السنين من المعارك والعنف والمجازر. الإرهاب كان شائعاً آنذاك. دماء كثيرة دفعت ثمناً لتحرير المجتمع من تسلّط الدين وأمرة الكنيسة. لم يكن المطلوب تحرير الناس من التأثير الديني، بل من القيود الدينية التي تفرضها كسلطة كنسية وليس كنص انجيلي.. خسرت المسيحية ما كان لها من أنياب ولكنها لم تخسر حضورها في النفوس والطقوس. عالم الإيمان مصون، باستثناء ما ارتكبته الشيوعية الستالينية في حربها على “أفيون الشعوب”. وهذا ما لم يدعُ إليه كارل ماركس أساساً.
لا يمكن إصلاح الإسلام من داخله. المحاولات باءت بالفشل. إصلاح الإسلام، يكون بهزيمته كمشاريع سياسية، لإعادته إلى نصاب الإيمان، بشرط الحرية. علمنة الإسلام، ممكنة، بعد هزيمة الحركات الإسلامية بالسياسة. حتى الآن، أثبت الإسلام السياسي فشله. وثبت أن العلمانيين غائبون عن الساحة.



