أوراسيا.. حلبة الشراكات الإستراتيجية المستجدة

بقلم: محمود الأسعد..
شهد الأسبوع الماضي، توقيع ثلاث اتفاقيات شراكة استراتيجية في منطقة أوراسيا، يمكن تصنيفها تحت عنوان التحوّلات التأريخية التي يشهدها العالم، والتي ستترك آثارها الكبيرة على كل الصعد الجيوسياسية والجيواقتصادية والنفوذ والسيطرة والتموضع على الخريطة العالمية، وتعلن عن انتقال مراكز الصراع والتسويات إلى منطقة جديدة، بعيداً عن مراكز الثقل والمواجهة التقليدية التي شهدها العالم طوال قرن من الزمن، وليكون العام 2025 عام التحوّلات الكبرى على الصعيد العالمي، وهذه الاتفاقيات هي:
1 – اتفاقية الشراكة البريطانية – الأوكرانية.
2 – اتفاقية الشراكة الأمريكية – الأرمينية.
3 – اتفاقية الشراكة الروسية – الإيرانية.
سنكتفي في هذا المقال بتسليط الضوء على الاتفاقيتين الموقّعتين بين كل من بريطانيا وأوكرانيا، والولايات المتحدة وأرمينيا، باعتبارهما جاءتا في سياق مفاجئ ومتسارع على عكس اتفاقية الشراكة بين روسيا وإيران التي يجري الإعداد لها بشكل علني منذ مدة طويلة.
أولاً: اتفاقية الشراكة البريطانية – الأوكرانية
من دون ضجيج إعلامي مسبق، فوجئ العالم بخطوة استراتيجية بريطانية متقدّمة على الساحة الأوروبية والصعيد العالمي تمثلت بتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين المملكة المتحدة وأوكرانيا يوم الخميس في 16 كانون الثاني الحالي مدتها 100 عام، تحت عنوان “الشراكة المئوية“، وذلك خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى أوكرانيا.
يمكن قراءة توقيت الخطوة البريطانية وتحليلها من جوانب عديدة، فقد جاءت قبل أيام من دخول الرئيس الأمريكي المنتخب الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتولي مهامه، وهو الذي بنى مواقف حملته الانتخابية على إنهاء الصراع في أوكرانيا عبر التفاوض، ثم جرى تأكيد ذلك على لسان مرشحه لوزارة الخارجية ماركو روبيو وآخرين من فريقه في الإدارة قبل أن يعلن بعد تنصيبه عن رغبته في لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القريب العاجل.
وعليه، فإن بريطانيا سعت للقيام بخطوة استباقية لتحقيق مصالح استراتيجية لها في شرق أوروبا قبيل إطلاق مفاوضات وقف إطلاق النار، وهو ما سيمكّنها مرحلياً من ممارسة الضغط على موسكو، ومحاولة حجز حصة جيوسياسية واقتصادية وطاقوية لها على المدى البعيد، قبل إسدال الستار على خرائط السيطرة والنفوذ في شرق أوروبا.
وفي أحسن الأحوال، فإن التوجّه البريطاني يشكّل استعداداً استباقياً لاستبدال النفوذ البريطاني الضائع الذي يفرضه التاج الملكي في كندا غرباً عبر المحيط الأطلسي بآخر في أوكرانيا شرقاً متى ما نفذ ترامب طموحه بضم كندا إلى الولايات المتحدة.
ثانياً: اتفاقية الشراكة الأمريكية – الأرمينية
في 14 كانون الثاني الحالي، قبيل يومين من توقيع اتفاقية الشراكة البريطانية–الأوكرانية، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حدثاً آخر لا يقل أهمية تمثل بتوقيع الولايات المتحدة الأمريكية ودولة أرمينيا على اتفاقية شراكة استراتيجية بينهما. وقد شكّل هذا الحدث أيضاً،مفاجأة استراتيجية على صعيد التحالفات والتموضعات الجديدة التي يشهدها العالم بتسارع كبير.
وبحسب تصريحات وزير الخارجية الأرميني آرارات ميزوريان، فإن الاتفاقية تضع إطاراً قوياً يشمل مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك تعزيز الروابط الاقتصادية والطاقة، وتوسيع قنوات الاتصال، وتعميق التعاون الدفاعي والأمني، وتقوية المؤسسات الديمقراطية، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، وتطوير الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات بين الشعوب، وضرورة لا بد منها للتعامل مع المشهد الجيوسياسي المعقّد.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن ما قاله نظيره الأرميني، وخصوصاً ما يتعلق بالاقتصاد والطاقة، وأضاف إليه التزام بلاده بسيادة أرمينيا وحماية حدودها واستقلالها، واستعداد واشنطن لمساعدة أرمينيا في مجال التكنولوجيا النووية السلمية، ورحّب باستعداد أرمينيا للانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش“، وخصوصاً في الشرق الأوسط. وأكد الجانبان أهمية الاتفاقية لتحقيق الاستقرار في جنوب القوقاز.
تأريخياً، لطالما كانت أرمينيا حليفاً استراتيجياً لكل من روسيا وإيران، وعاملاً جغرافياً للربط والتواصل بينهما، والفصل بين منافستيهما (أذربيجان وتركيا) حليفتَي واشنطن التقليديتين، غير أن هزيمة أرمينيا في الحربين الأخيرتين مع أذربيجان وبدعم من تركيا دفعت برئيس وزرائها نيكول باشينيان وبضغط من اللوبي الأرمني في الولايات المتحدة إلى البحث عن تنويع تحالفات بلاده باتجاه الغرب وخصوصاً باتجاه باريس وواشنطن لتعزيز قوتها ووقف مسلسل الهزائم أمام أذربيجان، والذي بات يتهدد جغرافيتها وحدودها، وخصوصاً بعد أنباء تسرّبت عن تهديدات أذربيجانية بجولة جديدة من الصراع تهدف إلى السيطرة على ممر بري “زينغزور” نحو إقليمها الغربي.
امتعاض الدول اللاعبة والمحيطة ظهر سريعاً، وعلى الأخص روسيا التي سارع وزير خارجيتها لافروف لتخيير أرمينيا ما بين العضوية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تنتمي إليه، وبين عضوية الاتحاد الأوروبي الذي تطمح للدخول إليه، وذلك لاستحالة الجمع بينهما، وهو ما رفضته أرمينيا واحتجت عليه مؤكدة عدم التعارض بينهما، بينما تنظر أذربيجان وحليفتها تركيا، وكذلك إيران حليفة أرمينيا التقليدية بقلق إلى التموضع الأرميني الجديد، وليس مستبعداً أن تكون هذه النقلة الأمريكية الجديدة على رقعة الشطرنج الأوراسية عامل تلاقٍ جديداً بين دول إقليمية متضررة لطالما كانت تتنافس فيما بينها، ونقصد بها إيران وأذربيجان وتركيا وروسيا.
في الختام؛ سيكون من المنطق وفي ظل التحوّلات العالمية الجديدة التي بدأت من سوريا والشرق الأوسط، وترافقت مع وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض بقيادة ترامب وفريقه، أن نضع ما يجري من اتفاقيات شراكة استراتيجية جديدة متسارعة كالاتفافية البريطانية ـ الأوكرانية، والاتفاقية الأمريكية ـ الأرمينية، وبعدهما اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الروسية ـ الإيرانية، وقبل ذلك كله، اتفاقية الشراكة بين الصين وإيران، أن يكون كل ذلك ضمن تفاهمات فرضتها تلك التحوّلات العالمية والصراع لبناء عالم جديد متعدد القطبية.



