الأب الروحي أحمد خلف.. ستة عقود من الإبداع الروائي

العصامي الذي قهر الجوع بالثقافة
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
رحل عن عالمنا الكاتب العراقي الكبير أحمد خلف الذي أمضى ستة عقود من الإبداع الروائي بعد معاناة مع المرض ،تاركا وراءه إرثا ضخما من الروايات والمجاميع القصصية التي كانت مصدرا مهما من مصادر تعلم فن كتابة الرواية والقصة، فضلا عن كونها تراثا أدبيا يتباهى به جميع الأدباء العراقيين ،لذلك نزل خبر وفاته كالصاعقة على الادباء العراقيين لكونهم يعدونه إستاذهم الأول لما تميز به من إبداع وسيرة حسنة بين الاوساط الادبية .
الى ذلك قال الروائي عبد الستار البيضاني:” سعدت كثيرا ، عندما نُشرت قصتي (السور) في مجلة (فنون) عام 1982، وكان النشر فيها مثار سعادة الكثير من الكتاب ، كونها من المجلات الفنية المقروءة ، لكن لم اتوقع ان تنال هذه القصة اهتمام قاص ستيني بقامة أحمد خلف ، الى حد انه يبحث عني كما أخبرني الشاعر والصحفي عمر رشراش ، فقد كانت مجموعته القصصية ( منزل العرائس ) مازالت تستأثر باهتمامي وكنت اعتقد أن عمر يمزح معي أو انه يعزز اعجابه المبالغ فيه بهذه القصة . حتى جمعنا على مائدة واحدة في نادي اتحاد الأدباء ، وكنت أنا أحاول الاستزادة من حديثه عن قصته الأثيرة لدي ( خوذة لرجل نصف ميت) ، وهو يحاول اقناعي بتسجيل لقاء تلفزيوني لبرنامج ( المجلة الثقافية ) الذي يعده الشاعر الراحل علي الطائي وتقدمه المذيعة لمى سعيد ، حيث كان أحمد خلف يشغل موقع رئيس القسم الثقافي في التلفزيون ، وتلك كانت مفاجأة كبيرة ، ان اظهر في التلفزيون وأنا لم يصدر لي اي شيء ، لقد كانت مغامرة صعبة من قاص كبير يرأس قسما مهما في تقديم شاب لم يصدر له اي كتاب ، ادركت حينها وبسعادة مضافة ، انني اجلس امام مبدع ليس كبيرا فقط ، وانما هو أنموذج للتواضع والثقة بالنفس ، وحبه للثقافة العراقية”.
وأضاف :”منذ تلك الأشهر أصبحنا أصدقاء ، وهو أول قاص ستيني كان يمكنني أن اسميه ( صديق) خارج تعاملات وصداقات النشر ، وتعمقت صداقتنا في النصف الأول من التسعينيات ، عندما كنا نتواعد ونذهب معا إلى اتحاد الأدباء ، ونرجع ليلا بسيارة الدكتورعبدالله ابراهيم ، واحيانا بسيارة الناقد ياسين النصير”. في تلك الفترة فوجئت به يهديني (قلم حبر) قديم ، وقال : أريد ان أهديك هذا القلم ليس لقيمته المادية ، وإنما لقيمته المعنوية لدي ، فقد كتبت به رواية اعتز بها”.
الكاتب الكبير شوقي كريم حسن استقبل خبر رحيل الكاتب أحمد خلف بدموع كبيرة وكتب يقول:” أحمد خلف ..الستيني المغامر البهي ،المعلم الحريص على كل ما كنا نحن جيل المحنة نضعه بين يديه،الصديق الذي كنت أمازحه بشدة المحب ،الذي مارأيته الا وهو يتحدث عن الادب وجيل الستينيات واجيال الادب المتعاقبة،،رجل الاماني الكبيرة الذي ما توقف كثيراً عند قهر،،نقي مثل نهر سومري،وفي مثل نسمة هواء”.
وكتب الى”المبدع أحمد خلف ،وداعاً ،،نقولها ولا يمكن ان تنساك محافل الادب العراقي ،وداعاً ايها الاقرب الى القلب!!”.
الدكتور محمد ونان سجل في ذكرياته كيفية التعرف ‘لى الراحل احمد خلف قبل أكثر من ربع قرن حيث يقول: “في شتاء 1998 وخلال مرحلة كتابة رسالة الماجستير التقيت رجلا تبدو على مُحيّاه ملامح خطها زمن الجوع في شارع المتنبي أمام ( بسطيته) الثقافية وسألته عن مجموعة (نزهة في شوارع مهجورة) للقاص أحمد خلف فتجهم وجهه وارتعدت فرائصه وقال (هذا قاص تعبان أنصحك ترك قراءته؟ فأجبته يبدو أنك لا تعرفه ولا علاقة لك بالقراءة ولا أسمح لك أن تتكلم على الأدباء العراقيين وبعد شد وتشنج ابتسم صاحب (البسطية) وقال أنا أحمد خلف ومن تلك (العركة) تأسست بيننا علاقة ود ثقافية تزداد بعد كل منجز جديد لأحمد خلف”.
وأضاف:” اليوم خسرت الأوساط الأدبية العراقية قامة سردية اسمها (أحمد خلف) العصامي الذي قهر الجوع بالثقافة… رحم الله أحمد خلف وأسكنه فسيح جناته”.
الكاتب الكبير علي لفتة سعيد كان من المحبين لأحمد خلف والمتأثرين على رحيله حيث قال:”اللهم اجعلنا نتحمل وجع الفراق ،وألم الغياب ،اللهم أتاك رجل ظلّ ضوء الحرف ومعنى الروح وسطوع الحرف، اللهم أتاك من ألبس القصة خوذتها
فلا تجعلنا إلا داعين له ،مثمرين بعده،سائرين على خطاه،اللهم إنا نرفع إليك ألم ظهورنا وهي تنكسر ،أنه يوم السرد الحزين،والقصة اليتيمة ،والرواية الثكلى”.
من تلامذة الكاتب أحمد خلف هناك القاص والروائي رأفت عادل الذي يقول:”الروائي والمعلم أحمد خلف رحل إلى رب رحيم ،بقلوب يعتصرها الألم والحزن، أودع اليوم أستاذي الكبير احمد خلف الذي كان بالنسبة لي وإلى الكثير من الأصدقاء أكثر من مجرد معلم، كان الأب الحاني الذي يرشدنا، والصديق الذي يستمع إلينا، والموجه الذي لم يبخل علينا بعلمه وخبراته”.
وأضاف:” لقد ترك بصمة لا تُمحى في حياتنا وعلى رفوف المكتبات، وغرس فينا قيم العلم، والاحترام، والإصرار على تحقيق الأفضل، كان قدوة لنا في أخلاقه، في عطائه اللامحدود، وفي حرصه على أن نصبح أناسًا نافعين في حياتنا، رحيله خسارة عظيمة لا تُعوَّض، وغيابه فراغ لن يملأه شيء، لكن عزاءنا أنه ترك إرثًا من الذكريات الطيبة، والعِلم الذي سنظل نحمله وسرديات سوف نعيد قراءتها كلما نشتاق له، والدعاء الذي لن ينقطع له أبدًا. وأرجوا أن يسمح لي أن أقول له وداعا أبا حيدر انت من جعل الخراب جميلا” .



