ما علاقة الأنظمة السياسية بالمراقد المقدسة ؟!

محمد علي جواد تقي..
التزم بنصيحة الكاتب المصري محمد حسنين هيكل عندما أبدى تحفظه بالكتابة عن التحولات الكبيرة في بلداننا، ومنها ما يُسمى بحرب تحرير الكويت عام 1991 بأنه يتريّث كثيراً في الكتابة عن هكذا موضوعات، لأنها “عاطفية جداً”، كما جاء في كتابه “حرب الخليج أوهام النصر والهزيمة”، بينما المطلوب من المتابع الحريص على أمن بلده وشعبه، أن يتحلّى بغير قليل من الموضوعية والدقّة؛ من الناحية الفنية والمنهجية، والتحلّي ايضاً بالإنصاف، للخروج بنتائج تكون أقرب الى الواقع والحقيقة.
لاحظت في مواقع التواصل الاجتماعي، محاولة الربط بين انهيار نظام حزب البعث في سوريا، وسلامة المراقد المشرفة في سوريا، وتحديداً مرقد السيدة زينب ابنة أمير المؤمنين “عليهما السلام” على أن هذا المرقد الشريف “كان في أمان، تحفّه الرعاية والاهتمام، والجميع يذهب للزيارة بكل فخر واعتداد”، مضمون الكلام المنشور.
ولا أجدني بحاجة للحديث عن تأريخ العلاقة بين النظام السوري والمراقد في سوريا، وكيف كانت أعمال التوسعة والرعاية والخدمات تتم على يد المؤمنين من الخارج مع معارضات شديدة من الداخل، إنما ألفت عناية القراء الأعزاء الى أن شخصية العقيلة زينب، “سلام الله عليها”، بحد ذاتها تفرض واقعاً أكبر بكثير من الأنظمة السياسية المتقلبة على الحكم بين متسلق ومتدحرج الى الهاوية على مر الزمن، فهي شامخة باقية، وشهيدة على استمرار الانحراف في الامة، وقد كانت بدايتها في مواجهة الزيف والتضليل بتلك الشجاعة التي نتحدث عنها دائماً لأبنائنا من هذا البلد تحديداً (الشام)، فهل يُعقل أن نعد اليوم نظاماً سياسياً كان يتخذ من تجربة الدولة الأموية، أنموذجاً ومثالاً أعلى، هو من وفّر الرعاية والكرامة لمرقدها الشريف وللزائرين الشيعة طوال العقود الماضية؟!.
يجدر بنا تصفح تأريخ هذه العلاقة منذ بوكيرها عندما بدأت أعمال البناء والعمارة على المراقد المشرفة في العراق وايضاً في ايران على يد الحكام في بادئ الأمر، ومع ايماننا بالحكمة الإلهية في تقييض أشخاص معينين في ظروف معينة لبناء هذه المراقد، لتكون محط رحال الزائرين من بقاع الأرض على مر الأجيال لاستذكار ما جرى من المصائب على الأئمة المعصومين وابنائهم، وايضاً؛ لاستخلاص العبر والدروس من حياتهم خلال وجودهم بقرب هذه المراقد، بيد أن الغايات النهائية لم تبقَ خافية، أبرزها؛ إضفاء المشروعية على النظام السياسي الحاكم من خلال كسب ودّ الناس والمؤمنين الذين يجدون في شخصية أمير المؤمنين، والامام الحسين –مثلاً- رمزاً للحياة المستقيمة، وهي الحقيقة التي أكدها علماء ومفكرون من سائر الأديان والمذاهب في العالم، الى جانب بعض علماء المسلمين.
وبنفس وتيرة البناء والإعمار والحثّ على الزيارة، حلّت بنا أيام انقلب فيها الحكام، ليفرضوا حظراً على هذه الزيارة، أو محاولة التقليل من شأن المراقد المشرفة، وبلغ الأمر حدةً في رجم القباب بالصواريخ، كما حصل في الانتفاضة الشعبانية في العراق، الأمر الذي فطن اليه العلماء والحكماء مبكراً لتجاوز هذه المشكلة بتفعيل العامل الجماهيري وضخ الوعي وثقافة المسؤولية، لأن يكونوا هم من يبعث الحياة في هذه المراقد وليست السلطات الحاكمة.
من المؤكد والمسلّم أن مصائب أهل بيت رسول الله، “صلوات الله عليهم”، تقرح الجفون، وتحرق القلوب، بيد أن تلك المصائب لم تكن لولا القيم السماوية التي من أجلها ضحوا بأرواحهم، وقدموا كل تلك التضحيات الجسام، وهي القيم التي يجب ان ألمسها –أنا الزائر- خلال زيارتي لهذه الأماكن المقدسة، حتى أحكم الربط بينها وبين صاحب هذا المرقد والمكان الذي نجد الاهتمام البالغ في عمارته وبنائه بمختلف أشكال الزينة والاضاءات والمفروشات وسائر الخدمات الرائعة.



