تداعيات ظلم المجتمع الخطيرة

قد لا يقدّر بعض الحكام والمسؤولين تلك النتائج المؤلمة التي تحدث للمجتمع بسبب حالات الظلم التي تفتك به، والتي غالبا ما يكون سببها الأساسي الحكام الظالمين المستبدين، فالظلم يقع على فرد أو مجموعة أفراد، وقد يقع بشكل أوسع على مكوّن أو جماعة كبيرة نتيجة اتخاذ قرار، أو إصدار أمر معين يُلحق الضرر بهؤلاء، فتكون النتيجة مؤذية ومؤلمة.
وفي الغالب ينظر الناس إلى الحكام والمسؤولين من الدرجات العليا على أنهم نماذج لهم، لذلك لا نستغرب إذا كثر الظالمون في مجتمعات حكامها من الظالمين، فالناس على دين ملوكهم كما يُقال، وعندما يرى المواطن الذي لا سلطة بيده ولا ممتلكات كبيرة عنده ولا قوة ولا مال، من يمتلك هذه الأدوات ويبدأ يبطش بالناس، فإن المواطن العادي قد يكون ظالما أيضا.
وهكذا سوف تكثر المشكلات والنزاعات والاضطرابات داخل المجتمع، مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار، وتهديد واضح للسلم الأهلي، وصراعات لا أول لها ولا آخر، بسبب حالات الظلم التي تتكاثر وتنمو لتصبح سلوكا مألوفا بين الجميع، فلا غرابة حين يظلم المدير مرؤوسيه بقرار مجحف، ولا دهشة في رؤية الظالمين يتكاثرون أكثر من الناس الصالحين، والمشكلة أن النتائج ستكون وخيمة على المجتمع الذي ستنتشر فيه الأمراض النفسية.
في مجتمعاتنا المسلمة، يكثر الظلم، والسبب الأكبر هو الحاكم وحكومته، لاسيما إذا كان فرديا في إدارته للبلاد، وينظر لعقله على أنه العقل الوحيد القادر على فهم ما يدور، وأن رأيه هو الرأي الوحيد الصائب من بين كل الآراء.
الظالمون مصابون بالأمراض النفسية
المشكلة الأكبر أن هذا النوع من الحكام، لا يهمه سوى حماية سلطته، لذلك يعتقد بأن القرارات التي يتخذها سوف تعزز قوته وسلطته وتحمي عرشه من السقوط، ولا يعلم بأن العكس تماما هو الذي سيحدث، فالاستبداد ينتهي بسقوط الحاكم، لكنهم لا يتابعون مسيرات الطغاة السابقين، فجميعهم سقطوا لأنهم مستبدون ظالمون.
هذه النتائج التي حصلت واقعيا، أكدها الكثير من علماء النفس والاجتماع، فالحاكم المستبد هو إنسان مريض نفسيا، يعاني التضخم الذاتي، ويرى نفسه فوق البشر العاديين، بينما تقول الحقيقة أنه لا يختلف عنهم بأي شيء، بل على العكس هنالك الكثير من الناس أذكى منه، وأشجع منه، وأكثر توازنا منه، وبإمكانهم إدارة البلاد والأمة بكفاءة عالية.
التأريخ دائما له الكلمة الفصل، وهو الذي يضع النقاط على الحروف، ويُظهر الأخطاء الفاحشة التي ارتكبها الظالمون المستبدون في حق شعوبهم وبلدانهم، ولو أردنا أن نعدد ونذكر الأمثلة لوجدنا العشرات منهم إن لم نقل المئات على مرّ التأريخ.
ونظرا للنتائج الوخيمة للظلم، فإن الإسلام وضع شروطا وصفات واضحة يجب أن تتوافر بلا أدنى شك في شخصية الحاكم أو الرئيس، ولا يجوز لكل من هبّ ودب أن يدير الناس لمجرد أنه يمتلك القوة العسكرية الضاربة، كما حدث في مرحلة الحكومات الانقلابية في العراق.
فحكامها في الحقيقة لم يأتوا بالطرق الدستورية التي تؤهلهم كي يكونوا حكاما يأخذون سلطتهم من مصدرها الصحيح، ونعني به (مجموعة الناخبين) الذين ينتخبون الحاكم والحكومة بطريقة الانتخاب الحر الواعي العادل في أجواء آمنة وبعيدا عن الإكراه أو استخدام وسائل اللف والدوران والاحتيال والتزوير وما شابه.
لذا فإن الحاكم وحكومته يجب أن تتوفر فيه الشروط المحددة، وعليه أن يتحلى بالصفات المعروفة للقادة والرؤساء، وفي المقدمة منها العدالة والإنصاف وكل القيم التي كان يتحلى بها قادتنا العظام في حكومتي الرسول صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام، فحين يكون الحاكم أكبر من السلطة وأعلى من العرش وكرسي الحكم، لن يكون ظالما ولا مستبدا.
الإيمان صفة الحكام الناجحين
الإيمان أيضا يجب ان يكون حاضرا في شخصية الحاكم والمسؤولين الذين ينفذون سياساته وقراراته، فالحاكم المؤمن لن يظلم أحدا مطلقا، بل لا يسمح لأحد من المسؤولين بظلم الناس، وهذه هي ميزة الحكام الذين خلّدهم التأريخ وظلت أعمالهم وطريقة إدارتهم للدول مضرب أمثال تأريخية للجميع، على العكس تماما من الظالمين الفاشلين.
الذين ظلّت الألسن والقلوب والتأريخ أيضا تواصل ذكرهم باللعنات، وتجعل منهم أمثلة فاسدة وفاشلة للحكومات الرديئة الفاسدة، وللحكام الفاشلين الفاسدين، لهذا طالب الإسلام بأن يكون الحاكم مؤمنا ومدعوما بالإيمان الحقيقي، عادلا بما لا يقبل الشك، وله قدرة وفهم وتبحّر في إدارة الشؤون والقضايا السياسية.
واقعنا يشير إلى أننا لم نلتزم بكل ما أوصانا به القرآن والرسول صلى الله عليه وآله، نحن في الحقيقة خضعنا لحكومات وحكام فيما مضى لم يحملوا هذه الشروط ولا هذه الصفات، لذلك تأخرنا كثيرا عن الأمم الأخرى، وزادت مشاكلنا، وتعددت نزاعاتنا، وصرنا نعاني العجز التام في معالجة الكثير من النتائج التي أفرزها الحكام غير الصالحين.
وهكذا زادت الفواحش أيضا، وانتشر الظلم والفساد، وانعكس ذلك على طرائق إدارة الحكم، الأمر الذي يتطلب فهم الواقع، ودراسة النتائج، ومعالجة حالات الظلم وحل المشاكل، وفك تعقيدات النزاعات، والحد من السلوكيات والقرارات الحكومية غير السليمة.



