اراء

الانهزاميون ينتشون بفائض الحرب والتدمير

بقلم: علي عوباني..

مجبولون بطين الذل والانكسار، يطالعوننا بتوهين الانتصار.. يقفون خلف شاشاتهم ينظرون، ويحددون مقاييس الهزيمة والنصر وفق أجنداتهم، دون أن يفقهوا من علم العسكر شيئًا.. لم يحملوا بندقية في وجه المحتل يومًا.. ولم يبدلوا بدلة الغرافات بالزي المرقط.. لم يتشرفوا بخدمة العلم اللبناني.. مجرد أبواق مأجورة ينفخ فيها العدو لتيئيس وتثبيط معنويات اللبنانيين.. باعت نفسها ووطنها لمن يدفع أكثر ولم تأبه لمشاعر بيئة مجاهدة فرضت عليها الضرورات الدفاع عن نفسها.

إنعاش ذاكرة المثبطين لربما يوقظهم من أوهامهم ويوعيهم على مصالح وطنهم ويضع حدًا لطموحاتهم الجامحة والدنيئة التي يبنونها دومًا على حساب دماء شعبهم العنيد.. للخلف نعيدهم، إلى ٧٦ عامًا في أول يوم لتأسيس الكيان الغاصب الذي سعى حتى قبل أن يوطد قدمه في فلسطين للتوسع تجاه لبنان ومعركة المالكية بقيادة الشهيد الملازم محمد زغيب كانت أولى لبنات المقاومة والدفاع عن أرض الوطن بوجه تهديدات الكيان الذي زرعه الغرب في منطقتنا، ومجزرتي صلحا وحولا اللتين ذهب ضحيتهما عشرات الشهداء وكانتا أولى الشواهد على إجرام عصابات العدو على الأرض اللبنانية.

لم يكن في مرحلة ما قبل الـ١٩٧٥ على الأقل هنالك مقاومة فاعلة لردع العدو ومنعه عن تحقيق أهدافه فكان يسرح ويمرح يجزر ويعتقل ويحتل القرى الأمامية ساعة يشاء ويخرج منها ساعة يشاء. لم يكن هنالك أحزاب المقاومة بعد، ما مكّنه من اجتياح لبنان والوصول في ٦ أيام إلى بيروت، لكن الأزمان تغيرت بعدما أفضى القهر والاضطهاد إلى نشوء حركات مقاومة بدأت بحمل البندقية والتصدي، كانت وطنية وقومية وصدرية (حركة أمل) حتى أتى حزب الله وحمل الراية وأكمل المسير، ليقلب صفحات الهزيمة إلى نصر عام ٢٠٠٠ ثم في حرب الـ٣٣ يومًا في تموز عام ٢٠٠٦.

من يتحدث عن معايير الهزيمة والانتصار لا بد له من التوقف قليلاً وإجراء بعض المقاربات والمقارنات الموضوعية بعيدًا عن الانطباعات والتوجهات السياسية الظالمة والمجحفة والتي كثيرًا ما تكون مبنية على أمنيات ومواقف سلبية مسبقة لا تقرأ تأريخ لبنان مع العدو الغاشم فتكون الخلاصات مبنية على منطلقات ومقدمات خاطئة. ومن هذه المقاربات والمقارنات:

أولاً. انطلقت المقاومة كحاجة وضرورة جراء استفحال العدوان على لبنان ولم يكن غايتها طوال التأريخ سوى مجابهة العدو وردعه والدفاع عن أهل الجنوب والبقاع الذين تركوا لسنوات طوال في فم التنين “الإسرائيلي” دون مساندة حتى من دولتهم الشرعية، فضلاً عن العرب الذين هرولوا للاستسلام.

ثانياً. مذ انطلقت المقاومة لم تدّعِ يومًا أنها جيش رديف ولم تسعَ لمآرب سلطوية دنيوية، بل كان هدفها واضحًا منذ البدايات وهو مواجهة العدو بالإرادة والعزيمة التي لا تنكسر وبما تيسر لها من إمكانيات وفق المعادلة الثلاثية الذهبية جيشا وشعبا ومقاومة.

ثالثاً. لم تدَّعِ المقاومة يومًا أنها تخوض حربًا كلاسيكية تقليدية بل حرب عصابات هدفها إيقاع الخسائر بالعدو ومراكمة الإنجازات بالنقاط.. فهي لم تنجر لمقارنة إمكانياتها مهما بلغت بإمكانيات جيش العدو الهائلة ومخزوناته التي لا تنضُبُ من أحدث الأسلحة والتكنولوجيا التي تزوده بها المنظومة الدولية المؤسسة والراعية لهذا الكيان.

رابعاً. تخوض المقاومة حربًا لا متماثلة، مفهوم النصر فيها لا يرتكز على مبدأ الحسم والسحق بل على مبدأ “إيلام العدو” ومنعه من تحقيق أهدافه المرسومة ومن ثم دفعه للتراجع عن عدوانه وتحرير الأرض واحترام سيادة لبنان وأراضيه وبحره وأجوائه.

خامسًا. لو أن المنظومة الدولية المنحازة بطبيعة الحال لـ”إسرائيل” أجبرتها على الانسحاب من لبنان منذ عام 1978 وفقًا للقرار 425 وعلى احترام سيادة لبنان لانتفت حاجة لبنان للمقاومة منذ ذلك الحين، لكن ما الذي حصل بعد ذلك؟ اجتاح العدو لبنان ووصل إلى بيروت غير آبه بالمنظومة الدولية وضرب عُرض الحائط بنحو 110 قرارات دولية.

سادسًا.. لو أن السياديين عملوا مع حلفائهم الغربيين منذ ذلك الحين على تعزيز قوة الجيش ومده بأسلحة حديثة لمجابهة الاعتداءات لربما كان بإمكانهم الادعاء اليوم بأنهم حريصون على السيادة، لكنهم لم يفعلوا ذلك بل تركوا لبنان في مهب العواصف الصهيو – أميركية لابتلاعه واستتباعه وكرسوا أنفسهم أدوات في كل المخططات والمؤامرات التي حِيكت على لبنان وسورية وسعوا معهم لانتزاع كل نقاط القوة ليس في لبنان بل في المنطقة.

سابعاً. لو أجرينا مقارنة بسيطة بين ما تقوم به المقاومة من صد العدوان البري على لبنان ونحن نقارب الـ٥٠ يومًا من انطلاقته مع اجتياح لبنان عام 1982 والوصول إلى بيروت في ستة أيام لأمكن لنا أن نفهم على أي أساس نحدد مفهوم النصر والهزيمة وبسهولة مطلقة.

ثامناً. طالما كان العدو يبادر إلى شن الحروب على لبنان على قاعدة خوضها على أراضي الآخرين وتبقى جبهته الداخلية آمنة بعيدة عن التهديدات، لكنها باتت اليوم في قلب المعركة، وهم يتحدثون عن رعب الشمال ونجاح حزب الله بتحويله إلى حزام أمني بعدما كانت كل الأحزمة الأمنية تقام على أراضينا اللبنانية وآخرها ما سمي بـ”الشريط الحدودي” الذي انسحب منه عام 2000.

طبعًا لن يرى المثبطون كل الإنجازات التي تحققت لأن وظيفتهم معروفة وأهدافهم واضحة وهي الاستقواء بالحرب لتغيير الواقع السياسي في لبنان حتى يتسنى لهم تحقيق طموحاتهم الهدامة. الغريب، أن هؤلاء أنفسهم كانوا حتى الأمس يرددون عبارة “فائض القوة” لكن الواضح أنهم ينتشون من نفس الكأس المعادي بفائض الحرب والتدمير ويمنون أنفسهم بنجاح نتنياهو في تغيير خريطة الشرق الأوسط حتى يكون لهم مكان في تلك الخريطة ليغيروا وجه لبنان ويعيدونه إلى العصر “الإسرائيلي” وزمن التبعية له للوصول إلى قصر بعبدا على متن “الميركافا” “الإسرائيلية” كما فعلوا سابقًا. لكنهم استعجلوا قطاف الحصرم ونسوا أن في لبنان مقاومة لا تُهزم وستحول الجنوب مقبرة للغزاة ودباباتهم ولن يبقى لهم دبابات يعتلونها إلى القصر الرئاسي. لأن زمن الهزائم ولى ودخلنا منذ عام 2000 زمن الانتصارات، والنصر معقود على جباه المقاومين في الـ٢٠٢٤ ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى