اخر الأخباراوراق المراقب

مرويات السيدة الزهراء (عليها السلام) في تفسير القرآن الكريم

وردت المرويات في تفاسير المدرستين عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على الرغم من قلتها؛ إلا أنّها آثرت التفسير في الآية الوارد فيها عن سيدة نساء العالمين، وهي التي قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((فاطمة صديقة شهيدة))، وهذا القول صادر من الذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، فقد صدقها رسول الله بتصديق من الله تعالى، فكلامها صدق، وبهذا علينا أن نؤمن أنّ ما تقوله السيدة الزهراء (عليها السلام) هو الحقّ ولا نأخذ بتفسير غيرها، أي: إذا جاء تفسير مروي عنها يجب أن لا نتعداه لغيره، وإلّا فسنقع بشبهة الظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً، ولقلَّة ما روي عن سيدة نساء العالمين (عليها السلام) في تفسير القرآن الكريم سنجعل البحث يعتمد على موضوعات الآيات المفسَّرة بروايات السيدة الزهراء ذاكرين الروايات الأخرى وبيان أحقِّيتها في التفسير.

المطلب الأول.. المغفرة

 المغفرة والغفران والاستغفار من الألفاظ التي وردت كثيراً في كتاب الله المجيد، وأصلها الفعل (غَفَرَ) الثلاثي فـــــفي اللغة؛ يقول ابن فارس: ((الغين والفاء والراء عُظْمُ بابه الستر، ثُمّ يشذ عنه ما يُذكر… فالغَفْرُ: السَّتْرُ، والغفران والغَفْرُ بمعنى، يُقال: غفر الله ذنبه غفراً ومغفرة وغفراناً)) فهو: الستر، وكل شيء سترته؛ فقد غفرته.

أمَّا في الاستعمال القرآني: فإنَّ المغفرة تعني التجاوز عن أفعال الناس من قبل القادر على المعاقبة، وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في (79) آية مباركة.

المطلب الثاني.. الصلاة

 في اللغة: هي من صلوا و((الصاد واللام والحرف المعتل أصلان، أحدهما جنس من العبادة.. فالصلاة وهي الدعاء… والصلاة هي التي جاء بها الشرع من الركوع والسجود وسائر حدود الصلاة.. فأمَّا الصلاة من الله (سبحانه وتعالى) فالرحمة)) والتشريف، كما في الصلاة على محمد وآل محمد فهي تشريف لمحمد وآل محمد ورحمة للعباد الذين يُصلُّون عليهم. جمعها: صلوات. ففي اللغة: هي الدعاء والمتابعة.

 في الاصطلاح: انتقل لفظ الصلاة من المعنى اللغوي وهو الدعاء والإتباع؛ إلى معنى آخر وحركات أخرى جاء بها التشريع الإسلامي بعد فرض شعيرة الصلاة، فأصبحت ((ذات الركوع والسجود… وهي من افضل الطاعات بعد المعرفة وأهم العبادات في نظر الشرع))(7)، وهذا الانتقال ليس انتقالاً ذات بونٍ شاسع بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي؛ وإنَّما يربطهما المعنى العام للفظ الصلاة وهو: الصلة بين العبد وربه، إذ إنَّ هذا المعنى يدل على الدعاء والمتابعة والركوع والسجود جميعاً ومن ذلك الصلاة على محمد وآل محمد وصلاة الميت، ففي الإطار العام لا يوجد ثمَّة خلاف كبير بيِّن.

المطلب الثالث.. بيان مكانتها (عليها السلام)

 لا يخفى على أدنى طالب علم من هي فاطمة بنت رسول الله (صلوات ربي وسلامه عليها وعلى بعلها وأبيها وبنيها والسر الذي استودعه الله فيها، إلّا أنّ مكانتها القرآنية وقربها الإلهي أخبرت عنه هي بنفسها عن رسول الله حتى لا تكون للناس على الله حُجَّة.

المطلب الرابع.. الدعاء قبل النوم

 من الروايات الخاصّة بالسيدة الزهراء (عليها السلام) ما جاء عنها في رواية الدعاء وكيفيته قبل النوم، وجاء ذلك في ذيل تفسير قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)، إذ روي عن ((ابن السني والديلمي، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم قال لها: إذا أخذت مضجعك فقولي:« الحمد لله الكافي سبحان الله الأعلى حسبي الله وكفى ما شاء الله قضى سمع الله لمن دعا ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجي توكلت على ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم، (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) ثم قال صلى الله عليه [وآله] وسلم: ما من مسلم يقرأها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فتضره»))، وهذه الآداب الدعائية؛ سُنَّة نبوية وردت عن سيدة نساء العالمين (عليها السلام)، وفيه من التوحيد العقائدي الشيء الكثير، من الحمد والتسبيح والتسليم لله تسليماً منقطعاً وتفويض الأمر له سبحانه، والتوكل عليه، والتسليم لقدرته والإقرار بها، وكل فقرات الدعاء جاءت بأسلوب الخبر الذي يخرج إلى الداء، وبعد ذلك أرشد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الناس في هذا الدعاء لبيان مكانته عند الله واختتامه بآخر الإسراء يُحصِّن الناس من كيد الشياطين وإن كان مضطجعاً بينهم لا يستطيعون مسه بسبب الحصانة الإلهية التي حصَّنه بها الدعاء المبارك، أمَّا تعليمه للسيدة فاطمة (عليها السلام) بوصفها سيدة نساء العالمين وهي الحُجَّة على جميع الحُجج؛ فتعليمها إرشاد لها وتحفيزاً لباقي المسلمين لأن يرتقوا إلى مقامها المبارك، فإرشادها يوجب إلزام المسلمين به أيضاً.

المطلب الخامس.. آداب دخول المسجد

 أيضا وردت هذه الآداب خصوصاً عن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وذلك في ذيل تفسير قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)، إذ جاء عن ((ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إذا دخل المسجد يقول: « بسم الله والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج قال: « بسم الله والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» في فقرات دعاء المسجد جاء أسلوب الأمر الذي خرج إلى الدعاء، وهو من أساليب الإنشاء الطلبي الذي يخرج عن حقيقة الأمر الواجب التنفيذ إلى الدعاء، وهذا من شروط خروج الأمر إلى المجاز لأنَّ الداعي يتمتع برتبة أدنى من المدعو، فيكون في سبيل الدعاء لا على سبيل وجوب التنفيذ.

المطلب السادس.. فضل قراءة سورة الحديد والواقعة والرحمن

 جاء في الدُرِّ المنثور نقلاً عن سنن البيهقي أنّ السيدة الزهراء (عليها السلام) روت فضل قراءة سورة الحديد والواقعة والرحمن، وذلك في قول السيوطي: ((أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ [وآله] وَسلم: قارئ الْحَدِيد و (إِذا وَقعت الْوَاقِعَة) والرحمن يُدعى فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض سَاكن الفردوس))، بقي علينا أن نفهم: هل المقصود قراءتها فقط؟ أم يجب التدبر والتطبيق على الواقع، أم المداومة على قراءتها؟

 كل هذه التساؤلات واردة، ولكنّ الرواية تُشير إلى القراءة فقط، وعلينا أن نُسلِّم للرواية بالقراءة وعدم تحميلها ما لا تطلبه منَّا، لأنَّنا لم نُكلَّف إلّا وُسْعَنا، والرواية جاءت في سبيل الخبر الإرشادي والتحفيزي لقراءة هذه السور المباركات الثلاث.

المطلب السابع.. عرض القرآن على رسول الله (صلى الله عليه وآله)

 ورد في مقدمات التفاسير موضوع عرض القرآن من جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والرواية من طريق السيدة الزهراء (عليها السلام)، يقول ابن رجب الحنبلي: ((عن فاطمة – عليها السلام -: فقد أسرَّ إليَّ النبيُّ – صلى الله عليه [وآله] وسلم -: “أن جبريل يعارِضُني بالقرآنِ كلَّ سنةٍ، وإنَّه عارضني العامَ مرتينِ ولا أراه إلا حضرَ أجلي “. وكان النبيُّ – صلى الله عليه [وآله] وسلم – أجودَ الناسِ بالخيرِ، وأجودَ ما يكونُ في شهرِ رمضانَ، لأنَّ جبريلَ كان يلقاهُ كلَّ ليلةٍ في شهرِ رمضانَ حتى ينسلخَ، يعرضُ عليه رسولُ اللَّه – صلى الله عليه [وآله] وسلم – القرآنَ فإذا لقيهُ جبريلُ كان أجودَ بالخير من الرِّيح المرسلةِ. وكان القرآنُ يُعرضُ على النبيِّ – صلى الله عليه [وآله] وسلم – مرتين في العامِ الذي قُبضَ وكان يعتكفُ كلَّ عامٍ عشرًا فاعتكفَ عشرينَ في العامِ الذي قُبِضَ.))، وهذا يُشير إلى استشراف رسول الله للمستقبل من خلال عرض جبرائيل (عليه السلام) القرآن عليه مرتين، وهو من أنباء الغيب أوحاها الله إليه وخصَّه بها، لذا ضاعف عمله (صلى الله عليه وآله) من خلال العطاء والاعتكاف في المسجد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى