التربية والتعليم في الإسلام

إن الأمم إذا أرادت أن تتقدم وتزدهر وتبلغ أهدافها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، فلا بدّ لها أن تهتم بالأجيال القادمة، فتقوم بتربية وتنشئة جيل صحيح قوي، مهيّأ لتحمّل مسؤولية قيادة الأمة وتسلمها من الآباء، فعلى الوالدين وغيرهم من المسؤولين والعلماء والحكام، أن يوفروا لأبنائهم مناهج التربية الصحيحة، ويهيّؤوا لهم وسائل تقدمهم وبناء شخصيتهم ومستقبلهم، أما الأمم التي لا تهتم بتربية وتنشئة أجيالها، فلا توفر لأبنائها مثل هذه الأجواء الصحيحة والهادفة، فليس لها إلّا أن تتخلف عن مواكبة الأمم المتقدمة.
فإن ما يحصل عليه الإنسان من أدب وحكمة، وعلم وحلم، إنما هو عبر ما يتعلمه ويتلقاه عن طريق سمعه وبصره وفؤاده؛ وعبر التعليم والتجربة وما أشبه، فتكوين الشخصية الاجتماعية والنفسية ـ في الغالب ـ ليس إرثاً ينتقل من الآباء إلى الأبناء، وإنما هو ناشئ عن طريق التعليم والتربية، وإن كان لعامل الوراثة التأثير المهم أيضاً.
ومن هنا يعلم ضرورة التربية للفرد، كما هي ضرورية للمجتمع، إذ أن تربية الأبناء تبدأ من خلال الأسرة، وتستمر في أجواء المجتمع ـ في المدرسة والسوق والتجمعات الاجتماعية وما أشبه ـ مما يعلم أن لكل من الأسرة والمجتمع الأثر العميق على المدى القريب والبعيد في تحديد ملامح شخصية الإنسان، لأن الإنسان يستند إليها في سنه المبكر ويعتمد عليها في شبابه وكبره، مضافاً إلى ما قد تلقاه من تعليم في صغره، وما سوف يحصل عليه من تجارب وعلوم في مستقبله.
الاهتمام بالتربية
من أبرز المسائل التي حازت أهمية خاصة في الدين الإسلامي هي التربية الصحيحة في كل جوانبها والاهتمام بها؛ وذلك لما لها من أثر عميق في صقل النفس الإنسانية ورفع مستواها المعنوي، وانقاذها من مزالق الشيطان ومرديات الهوى، وكذلك في إصلاح المجتمع وسوقها نحو الخير والفضيلة والمحبة والإنسانية. فالنفس متى ما تقدمت ونمت بالاتجاه الصحيح، فلن يجد الشيطان سبيلاً للتسلل إليها؛ وإذا قال الإنسان المسلم: (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم) فإن كلامه هذا إنما يفيده فائدة تامة، إذا كان قد ربى نفسه من جهة على مقاومة إغواء الشيطان ومجانبة تسويل النفس ومخالفة وساوس الهوى، ومن جهة ثانية على إطاعة اللّه وإطاعة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام).
يقول تعالى في القرآن الكريم: (إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ)، فاللّه تبارك وتعالى أمر عباده بتهذيب أنفسهم، والتوكل على ربهم، وأن يتحصنوا من كيد الشيطان بصدق النية، والتوجه الصحيح إلى اللّه تعالى، وإلى رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله)، وإلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، حتى لا يجعلوا مدخلاً للشيطان إلى أنفسهم، ولا يكون هذا إلّا بالتربية الصحيحة، من هنا إذا أردنا مجتمعاً صالحاً، علينا أن نقوم بإعداد الأجيال وتربيتها تربية شرعية صحيحة.
هذا ولا يخفى، أن تأثير التربية على سلوك الإنسان يشبه إلى حد كبير، توفير التربة الصالحة والظروف الملائمة لنمو النبات وثمره وينعه. وعليه فالاهتمام بالتربية يعني، توفير مستلزمات التوجه الصحيح، وتهيئة البيئة الصالحة لنشوء الأفراد الصادقين والصالحين.



