افرازات حب الدنيا

من القضايا الطبيعية جدا، أن يسعى الإنسان إلى بناء حياته وتطويرها وتحسينها في المجالات والمستويات كافة، فهذه طبيعة أنشأها الخالق تعالى في المنظومة التكوينية للإنسان، والهدف منها واضح، فحياة الإنسان يجب أن يعيشها بالمستوى الأفضل والأحسن، وهذا شيء مباح شرعا وقانونا وعُرفا، فالدين لا يعترض على الإنسان عندما يسعى جاهداً، لتحسين حياته وعائلته وحياة كل من يقع ضمن مسؤوليته، وكذلك الشرع لا يعترض.
حتى الأعراف الاجتماعية الجيدة المتعارف عليه، لا تقف حاجزاً بين الإنسان وطموحاته في تحقيق حياة جيدة ومستوى معيشي أفضل، بل القوانين أيضا تمنح الإنسان الفرص التي تكفل له تحسين حياته والارتقاء بمستوياتها، لكن هناك إشكالية غالبا ما ترافق طموح الإنسان وسعيه في تحسين حياته وتحقيق طموحاته، هذه الإشكالية تحدث عندما يسعى الإنسان للارتقاء بحياته ومن معه بأسلوب يخرق المسموح في الشرع والقانون والعُرف.
هنا تبدأ المشكلة بالظهور، وتنتج عنها افرازات لا تليق بالإنسان، فحين يتجاوز الإنسان الخطوط الحُمر غير المسموح بها، هذا يتسبب بإرباك وفوضى في حياة الآخرين، وقد يهبط مستوى معيشتهم، ويتعرضون للضغط النفسي والخوف والقلق، وهذه افرازات تحطم حياة الناس، ولا يجوز ولا يصح أن يحسّن الفرد مستوى حياته ومعيشته على حساب الآخرين، وتجاوزه للأحكام الشرعية والقوانين والأعراف يضرب مصالح الآخرين، خصوصا أولئك الباحثون عن السلطة والمال والمناصب.
لا للطموحات المميتة
لهذا فإن التمسك بالدنيا أكثر من المقدار المسموح، سوف ينعكس بالضد تماما، وتبدأ الافرازات السيئة تظهر بشكل واضح، لتؤذي الناس الآخرين، وتعكّر صفو حياتهم، وتقلل من درجة اطمئنانهم، وهذا أمر غير مسموح به، فلماذا تتجرّأ وتطور حياتك وتحسّن معيشتك على حساب حقوق الأخرى؟، هذا الأمر مرفوض بشكل قاطع، بل يمكنك أن تصل إلى أعلى المستويات ولكن باستخدام الأساليب المسموح بها في إطار الشرع والقانون.
لهذا فإن مقدار حبّك للدنيا سوف يجلب لك الضرر بنفس مقدار محبتك لها، لذا تمت النصيحة بأن لا يتعلق الإنسان بالدنيا، ولا يتمسك بها، بل يعيشها مثل (عابر سبيل)، أو عابر جسر، لأن الدنيا ما هي إلا جسر يقود الإنسان إلى الآخرة، فهل يجوز أن تبني بيتاً على الجسر، وهل تثبت طموحك العالي بمنصب رفيع وأنت إنسان عابر في مكان زائل؟.
لذا فإن المطلوب من الجميع، أن يتنبّهوا إلى الافرازات المميتة التي تتسبب بها الطموحات غير المسموح بها، وهي تلك الطموحات التي تضرب العدالة في صميمها، وتتجاوز على حقوق الآخرين، كما يحدث في حالات الاختلاس أو السرقة التي تطال ثروات الفقراء في دول وشعوب عديدة، ولا شك أننا رأينا رؤية العين كيف يتم قتل الأبرياء بسبب حب المال والسلطة.
الدنيا جسر للآخرة
والآن نتوجّه بالسؤال التالي للحكومات السابقة والحالية، التي ظلمت الناس، وجعلتهم تحت التعذيب، وتعاملت معهم بأشد وأبشع أساليب القمع، أليس هذا كله من أجل الاحتفاظ بالسلطة والمال والقوة والمناصب؟.
نعم قرأنا عن حكومات في التاريخ قامت بأبشع أساليب التعذيب والمطاردة لكي تبقى عروشها سالمة من السقوط، فألحقت الأذى بملايين الناس الأبرياء، والنتيجة ماذا حصل هؤلاء الحكام، وماذا جنت حكوماتهم غير لعنة التاريخ ولعنة الناس جميعا، وكذلك سوف تنال هذه النتيجة جميع الحكومات التي تؤذي الناس من أجل المال والسلطة والمناصب.
إذن حب الدنيا يعني حب المال والسلطة والملذات، وهذه افرازات سيئة جدا لتمسك الإنسان بالحياة، فهو في كل الأحوال في طريقه إلى الزوال، وعمره محصور بين الـ 50 سنة والـ 100 سنة أو أكثر قليلا، وماذا بعد، هل يخلد الحاكم في هذه الدنيا، ولكن أين الحكام الجبابرة، وهل يخلد الأقوياء والأغنياء، فأين قارون وملْكه؟.
كل تلك السلطات والأموال والذهب والمناصب إلى زوال، الباقي هو الذكرى السيئة واللعنات الباقية للأبد لكل من ظلم الناس وتجاوز على حقوقهم، فهل يقرأ المسؤولون والحكام والحكومات هذا الكلام، وهل يتعظوا قبل فوات الأوان، وهل يعرف الظالمون، إن ما تفرزه الأموال الحرام، والسلطة الظالمة، سوف يذهب هواء في شبك، وأن الإنسان يعبر هذه الدنيا كالقنطرة إلى الآخرة، فهل يفهم الظالمون هذه العبرة ويعودوا إلى رشدهم؟.



