أسس النهضة الإسلامية

مُنذ أمدٍ طويل والأمة الإسلامية تعاني أحقاد الغرب والشرق على الإسلام والمسلمين؛ مما أدى إلى الانتقام منهم والإجرام بهم واحتلالهم حتى على مستوى الفكر.
وقد فشلت كثير من المحاولات التي تهدف إلى النهوض بالواقع الإسلامي بسبب فردانية الفكرة والصول بها دون مؤازرة الآخرين، وكذلك؛ إنَّ من يدعون الفكر النهضوي يستندون إلى الرأي الشخصي وما انتجه لهم فكرهم المعاش أو تجربتهم البسيطة؛ لذا سرعان ما انهارت أفكارهم وسارت في طريق الزوال، ولم يقم لها علم يُهتدى به أو كهف يُؤوى إليه من مصيبات الفتن.
إنّ نهضة المسلمين وعواملها المؤدية إلى نجاحها؛ هي أبرز المحاولات العملية الإسلامية لتغيير الواقع في العالم الإسلامي، وتقديم حضارة جديدة لدول العالم كلها، لتحقيق ما تصبو إليه الشعوب من العيش في عالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، وتميزت هذه الرؤية بواقعيتها، لأنَّها تستند إلى مصادر التشريع الإلهي؛ لذلك فهي تتجاوب مع ما تتطلع لها الشعوب المسلمة من نمو في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من العلوم في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الشعوب العربية والإسلامية المتخلِّفة بسبب الاعتمادية على ما يأتيها من الخارج دون ان تشعر بفقرها وتخلفها عن العالم الآخر.
ومبادئ النهضة الإسلامية تستوجب بناء مرتكز شرعي، تنطلق منه أشعة تنير طريق المسلمين لبناء دولتهم الموعودة عبر التاريخ، لتحقيق آمالهم وطموحاتهم، وبها يتم ترسيخ المبادئ الحقَّة التي نشدها أئمة المسلمين والأنبياء من قبل، وعليه فإنَّ هذه المبادئ نتيجة لتحليل العلاقات الاجتماعية المحلية، وتوافق المجتمع السياسي معها في ظروف الوعي الإسلامي، بدأت تتكون فيها مقدمات ومؤشرات على طبيعة الخلل والصواب في التشريع والأداء والتنفيذ.
إنَّ انعطاف البلاد الإسلامية من التصخُّر السياسي والجمود والرجوع وتسليم الأمور بيد الدكتاتورية أو السلطات الإرهابية؛ منها إلى النهوض بواقع الشعوب الإسلامية وتحريرها من قبضة الاستعمار الفكري والسياسي والقيام بالحركات التحررية على مستوى الفكر والجوانب الأخرى؛ يتطلَّب تجريب النظرية الشيرازية للنهضة والتطور المتوازن نفسياً واجتماعيَّاً عامَّاً بالاقتصاد والعلاقات الدولية، أي إنَّ ذلك الفكر يحقق موقفاً تحررياً وفتيَّاً من القضايا المعاصرة الساخنة، ويقوم بمعالجة قضايا أخرى على مستوى البلد والمنطقة والقارة والعالم بالنهاية، وهذا يقوم على تفهم أنماط التطور الاجتماعي وتعميم التعليم والصحة والخبرة الإدارية.
وبعد الغزو الثقافي الذي عصف بالذهنية الإسلامية استحالها إلى رُكام من الأطلال في المفاهيم الإسلامية، ولم يبقَ من المبادئ الرسالية إلى ما تحمله الكتب، فاستطاعت الصادرات الثقافة الغربية تقويض ما بناه الإسلام من أفكار بنائيَّة – أخلاقيَّة، دينية، سياسية، اقتصادية، وعلَّق المسلمُ أفكاره بذيل الاستيراد الغربي، فصار يرى ما يرون، ويؤيِّد ما يدَّعون، على أنَّ ما يقوله الغرب من المسلَّمات العلمية والفكرية، فبنى الاستعمار الفكرَ المسلم بناءً بحسب أفكاره.
وهذا يعني معرفة الأمراض الكامنة في جسد الأمَّة الإسلامية ومعرفة كيفية الهيمنة الاستعمارية علينا، وما هي خططه ومؤامراته التي يحركها ضد الإسلام من وراء الكواليس، وذلك لأنَّ الإنسان ما لم يعرف المرض لا يستطيع معرفة العلاج.
إنَّ سبب فشل الحركات الإسلامية التي تقوم بين الحين والآخر ولاسيما التي قامت في القرن الماضي؛ هو (إنّ الأمَّة كانت تعتمد على الجزء السلبي فقط، أمَّا الجزء الإيجابي في طرح برنامج بديل متكامل، فلم يكن مطروحاً عندها أو كان مطروحاً، ولكنَّه لم يخرج إلى حيِّز التنفيذ، وهذا ما يجب أن نتداركه في حركتنا الإسلامية العالمية القادمة، فالواجب معرفة الجزء الإيجابي أيضاً، والذي هو عبارة عن: كيفية الحكم في المستقبل وفقاً للمقاييس الإسلامية) ففي صياغة الذهنية الإسلامية يجب هدم وتحطيم الأفكار المستوردة وتنشئة المجتمع تنشئة إسلامية وبناء أفكاره على وفق الأطر الإسلامية.
وهجمت الثقافات الغربية على المجتمعات الإسلامية بعد الاختلاط بسبب الفتوحات والاستعمار على حد سواء، وهذا ما أنتج أجيالاً صارت تبتعد عن البؤرة الإسلامية شيئاً فشيئاً، مما لم يبقَ من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلّا رسمه، واستُلبَ التقديسُ من أذهان المسلمين، فكسروا الحواجز التي كانت مؤطرة بإطار المقدَّس، فراح المسلمون المستغربون بانتهاك المقدَّس دون أن يرعوا، وهذا ما كان يريد تحقيقه المستعمر.
ومن هذه الأسس تتفرع فروعٌ كثيرة تصبُّ في صالح البناء الدائم والمستديم ولا يحقٌّ لمسلمٍ التنصل عن مسؤوليته في المواجهة والمبادرة في حل الأزمات كلٌ من موقعه.
ويرى البعض ضرورة، أن يتم تثقيف المسلمين قبل أن يُثقفهم الغرب، لأنّ التثقيف أمرٌ بالغ الأهميَّة وبه يتم التغيير نحو الأحسن أو نحو الأسوأ، (وقد أغفل المسلمون أهميَّة التثقيف وتناسوه في الوقت الذي أدرك الغربيون والشرقيُّون أهميَّته، وراحوا يعملون بكل طاقاتهم في هذا السبيل).



