اخر الأخبار

دروس من التجربة الماليزية

ليس بالأمر الهين أو اليسير أنْ يتصدى طبيب شاب لمهمةِ إخراج بلاده مِنْ مجموعةِ الدول المتخلفة، والانتقال بها إلى نادي الدول المتقدمة، أنْ لم يكن واثقاً مِنْ إمكانيةِ تعزيز ثقة أبناء شعبه بالخططِ والبرامج الَّتِي ركن إليها في عمليةِ تكييف مقدرات البلاد وتوظيفها باتجاه زيادة الناتج المحلي الاجمالي لأجلِ تحقيق النُمُوّ الاِقْتِصادي، والَذي يُعَد المرتكز الأساس في مهمةِ تنمية قطاعات البلاد وتطويرها.
بهذه المقدمةِ المقتضبة يمكن أنْ نصف بإيجازٍ حقيقة ما اصطلح عَلَى الإشارةِ إليه باسمِ (المعجزة الماليزية) الَّتِي جعلت مِنْ دولةٍ قابِعة بجنوبِ شرقي القارة الأسيوية في طليعةِ دول نمور آسيا، والَّتِي حظيت بهذا اللقبِ عَلَى خلفيةِ تحقيقها معدل نُمُوّ اِقْتِصادي كبير، إلى جانبِ تطور سريع في مجالِ التصنيع أفضى إلى قفزاتٍ صناعية واقتصادية مذهلة خلال المدة المحصورة ما بين العقدين السادس والتاسع مِنْ القرن الماضي, ثم ما لبث أنْ تحولتْ هذه البلدانِ في بدايةِ القرن الواحد والعشرين إلى بلدانٍ متقدمة، الأمر أفضى إلى مساهمتِها في نُمُوِّ اقتصادات بعض الدول الآسيوية.
ماليزيا الَّتِي تتكون مِنْ ثلاثِ عشرة ولاية وثلاثة أقاليم اتحادية، ولا يزيد تعداد نفوسها عَنْ (30) مليون نسمة، بدأت تتّضح أولى معالمُ مجدها حين رأس حكومتها مطلع عام 1981م شاب طموح يدعى مهاتير محمد، والَذي لخص فلسفته في مهمةِ تحقيق عملية التنمية في بلادِه بعبارةِ مفادها: (لدينا رؤية ومنهج أصيل ينسجم مع روحِ وجوهر الإسلام، ما ألزمنا البدء أولًا بتحقيقِ النُمُوّ مِنْ خلالِ تطبيق مبدأ المساواة ما بين جميع الفئات، والعمل عَلَى زيادةِ الناتج المحلي، وهو ما قُوبلَ برفضِ الغرب لنا كونه – يعني الغرب – لديه إيمانٌ راسخ بأنَّ البقاءَ فقط للأقوى، وأنَّ الثراءَ مِنْ نصيبِ الأغنياء عَلَى حسابِ الفقراء).
يَبْدُو من مضامينِ هذه الرؤية، أنَّ صانعَ النهضة الماليزية، كان مدركا تماماً بعد دراسة شاملة للاِقْتِصاد والإدارة والحقوق لأهميةِ احترام الإنسان والعمل عَلَى سلامةِ بنائه بوصفِه الثروة الحقيقية الَّتِي تُعَد أساس التقدم والإبداع والمرتكز الرئيس لتحقيقِ تنميةٍ بشريةٍ متكاملةِ الأبعاد عَلَى مرِ الزمان، الأمر الَذي فرض عليه في هذه التجربةِ الرائدة بذل جهود كبيرة في عمليةِ توجيه مختلف قطاعات البلاد بضرورةِ تعميق الوعي الَذي قاد الشعب الماليزيّ إلى تكريسِ موجبات الحرص عَلَى سلامةِ بناء الدولة والمحافظة عَلَى ثرواته. إذ عمد الدكتور مهاتير إلى التركيزِ عَلَى تنميةِ قدرات الشباب مِنْ الفئاتِ العمرية المحصورة ما بين (18 – 45) عاماً عبر زجهم في معسكراتٍ مغلقة بمراكزِ الشباب والمدارس والجامعات بقصدِ تغيير نمط سلوكياتهم بما يفضي إلى تعويدِهم عَلَى احترامِ الوقت، بالإضافةِ إلى ربط التنمية الاقتصادية بمَوْضُوعِ التعليم المهني، الَذي ألزم القائمين عَلَى هذه المعسكراتِ الشروع بتعليمِ الشباب مختلف المهن الَّتِي تؤهلهم لإشغالِ دور الكوادر الوسطية.
ماليزيا ما قبل عهد مهاتير محمد كانت حياتها العامة الَّتِي يخيم عليها التخلف عَنْ ركبِ التطور تعج بالصراعاتِ والنزاعات بسببِ الانتماءات القبلية وتعدد الديانات في ظلِ حياة بدائية تجعل مِنْ النزاعاتِ والحروب الأهلية أمراً ممكناً، إلا إنها تحولت نمراً آسيوياً صناعياً بفعلِ تركيز مهاتير محمد عَلَى قاعدةِ النهوض بالإنسانِ الماليزيّ، والَذي تطلب توفير الدولة الرعاية العلمية والصحية الَّتِي ساهمت في بناءِ إنسان متعلم وعامل ماهر جدير بمهمةِ النهضة الماليزية، وما حققته مِنْ إنجازاتٍ باهرة في مقدمتِها ارتفاع معدل النُمُوّ والدخل، بالإضافةِ إلى تحولِ نمط حياة المواطن الماليزيّ مِنْ البدائيةِ إلى التطورِ والتمدن، ولعلَّ خير مصداق عَلَى ما تقدم هو ارتفاع صادراتها إلى (100) مليار دولار عام 2002 م بعد أنْ كانتْ في عامِ 1980 م لا تزيد عَنْ (5) مليارات دولار فقط !!.
إنَّ انسلاخَ ماليزيا مِنْ محيطِ دائرة التخلّف كان مرهوناً باحترامِ حكومتها لإنسانها الَذي جعل شعبها قادراً عَلَى تحقيقِ التنمية وزيادة النّاتج المحليّ بالاعتمادِ عَلَى سياسةِ التّصنيع الَّتِي استثمرتها مِنْ التّجربةِ اليابانيّة، حيث أصبحت ماليزيا بعد مخاض عسير دولةً مصدرةً للصّناعاتِ التكنولوجيّة عالية الدّقة.
أكاد أجزم إنَّ بلادَنا بحاجةٍ إلى الوقوعِ تحت منخفض جوي قادم مِنْ جنوبِ شرقي آسيا، عله يحمل معه بعضاً مِنْ فيروساتِ النهضة الماليزية.
في أمانِ الله..

لطيف عبد سالم العگيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى