اخر الأخباراوراق المراقب

لا للربوبيات البديلة

حينما ابتعد الإنسان عن هدى السماء، غرق خلال مسيرته الطويلة في متاهات فكرية قاتلة، وابتلي بألوان متعدّدة من الانحرافات العقائدية، خاصّة فيما يرتبط بقضية (التوحيد).

فـ”المثنوية” اعتقدوا بوجود (إلهين) يدبّران شؤون هذا العالم، أحدُهما (إله النور) خالق كلّ خير في هذا الكون، والثاني (إله الظلمة) وهو خالق كلّ شر في هذا العالم.

فالعالم في زعمهم مركّب من أصلين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، وهما أزليّان، ولم يزالا قويّين حسّاسين سميعين بصيرين، وهما متضادان في النفس والصورة والفعل والتدبير.

فجوهر النور: حَسَنٌ فاضل كريم، نقي طيِّب الريح حسن المنظر، وجوهر الظلمة: قبيح ناقص لئيم، كدر خبيث، منتن الريح قبيح المنظر، ونفس النور: خيّرة كريمة، حكيمة ناعمة عالمة. ونفس الظلمة: شرّيرة لئيمة، سفيهة ضارّة جاهلة. وفعل النور: الخير والصلاح، والنفع والسرور، والترتيب والنظام والاتّفاق. وفعل الظلمة: الشرُّ والفساد، والضرُّ والغمُّ، والتشويش والتبتير والاختلاف.

واليونانيون كانوا يعبدون اثني عشر إلهاً وضعوها على قمّة (أولمب)، وكل واحد منها يمثّل جانباً من صفات البشر.

والكلدانيون اعتقدوا بإله للماء وإله للقمر وإله للشمس وإله للزهرة، وأطلقوا على كل واحد منها اسماً معيّناً، واتخذوا فوق ذلك (مردوخ) إلهاً أكبر لهم.

والروم تعدّدت آلهتهم أيضاً، وراج سوق الشرك عندهم، فقد قسّموا الآلهة إلى مجموعتين: آلهة الأُسرة وآلهة الحكومة، ولم يكونوا يكنّون ولاءً لآلهة الحكومة (لتناقضهم مع حكومتهم).

وقد ورد في التاريخ: أنهم اتّخذوا لهم ثلاثين ألف إله، لكلّ مظهر من مظاهر الكون المشهودة إله، مثل إله الزراعة، وإله المطبخ، وإله مستودع الطعام، وإله البيت، وإله النار، وإله الفاكهة، وإله الحصاد وإله الغابة، وإله الحرق، وإله بوابة روما، وإله بيت النار.

وكانت للعرب أصنام كثيرة يعبدونها من دون الله، وكانوا قد نصبوا أصنافاً متعدّدة في الكعبة كسَّرها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) حين فتح مكة.

وحين يكرّر المسلم كلَّ يوم {الحمد لله ربِّ العالمين} فإنّه يستذكر هذه الحقيقة، حقيقة اختصاص الربوبية بالله سبحانه، وعدم مشاركة غيره له فيها.

وهنا نقطة مهمة ينبغي الالتفات إليها، وهي: أنّ اختصاص الربوبية بالله سبحانه لا ينافي أن يمنح الله سبحانه تدبير بعض الأُمور إلى غيره. ولتوضيح هذه النقطة نقول: إنّ تدبير الآخرين لبعض الشؤون الكونية يمكن أن يفرض على نحوين:

النحو الأوّل: (التدبير العَرْضي) بأن تكون هناك آلهة تدير بعض الشؤون بشكل مستقل، وبعيداً عن هيمنة الله سبحانه وتعالى.

النحو الثاني: (التدبير الطَولي) بأن يمنح الله سبحانه تدبير بعض الشؤون إلى ملك من ملائكته أو وليّ من أوليائه، بحيث تكون قدرته مستندة إلى القدرة الإلهية، وتصرُّفه تابعاً للإرادة الربّانية.

وهذا النحو الثاني لا مانع منه عقلاً، فهو ممكن بـ(الإمكان الذاتي) و(الإمكان الوقوعي) وقد دلّ القرآن الكريم على (وقوعه) في الخارج. يقول الله سبحانه: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} فهنالك ملائكة تدبّر جوانب من شؤون هذا الكون بإذن الله سبحانه وتعالى.

وبهذا نستطيع أن نحلَّ التناقض الموهوم بين بعض الآيات القرآنية، فالله سبحانه عندما يقول: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} فإن ذلك لا يناقض قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ لأنّ الرسل عندما تتوفّى الأنفس فإنّها تتوفّاها تبعاً للإذن والقدرة التي منحها الله سبحانه لها؛ ولذا تصحّ نسبة العمل إلى الله تعالى، كما تصحُّ نسبته إلى الملائكة، والفارق بين النسبتين أنَّ النسبة الأُولى (ذاتية) بينما النسبة الثانية (تبعية) فهو كما تقول أنت مرّة: (أبصرت الظاهرة الفلانية) وتقول مرّة أُخرى: (أبصرتْ عيني الظاهرة الفلانية) دون أن يكون هنالك تناقض بين النسبتين إطلاقاً. وكذا عندما تقول: (فتح الملك المدينة الفلانية) ونقول في الوقت نفسه (فتحت الجيوش المدينة الفلانية).

وبهذا التقرير يمكن أن نثبت الشفاعة لغير الله سبحانه، ولكن، بإذن الله سبحانه، فلا تنافي بين قوله سبحانه: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} وقوله تعالى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} أو قوله جلّ وعلا: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} إذ شفاعة الآخرين ـ كالأنبياء والأولياء (عليهم السلام) ـ بإذن الله وبرضاه، فلا يعني ذلك خروج أمر الشفاعة من بين يديه سبحانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى