عام على الطوفان.. إخفاق استراتيجي لسياسة الاغتيالات الإسرائيلية

بقلم: زينب الطحان ..
تحاول إسرائيل بكل جهدها تحقيق إنجازات كبيرة في استراتيجية الاغتيالات التي تعتمدها مع جبهة المقاومة؛ معتقدة بجدواها؛ لكنّها لا تتعلّم من تاريخ الصراع مع حركات المقاومة؛ والتي تخرج بعد كل عملية اغتيال أشدّ عودًا وأكثر صلابة، وما يجري من بطولات في ميدان الجنوب اللبناني بعد استشهاد قائدنا الأسمى والأقدس، خير دليل سيثبّته التأريخ في دفاتره الخالدة.
في العصر الحديث؛ تُسجل للكيان الصهيوني المرتبة الأولى في ارتكابه سياسة الاغتيالات- وفي المرتبة الثانية الولايات المتحدة- والذي عادة لا يلجأ إليه إلا المأزوم. إذ طوال عقود نفذت “إسرائيل” عمليات اغتيال منظمة كثيرة وكثيرة جدًا؛ حتى قبل قيامها الغاصب على يد العصابات الصهيونية، ولم يسلم منها حتى بعض حلفائها والتاريخ شاهد على هذا الغدر الصهيوني. لقد بلغت الوقاحة في هذا العدو أنه لجأ في العام 2002، إلى تشريع عمليات الاغتيال قانونيًا في سابقة على مستوى العالم، مع وضع ضوابط لم يلتزم حتى هو بها.
فشل استراتيجية الاغتيالات
انقسم المحللون والخبراء إزاء هذه الاستراتيجية؛ فمنهم من يرى جدواها في إيقاف اندفاع حركات المقاومة، ويؤخرها إلى أجيال قادمة كي تحظى بقيادة جديدة تحقق لها الإنجازات. أهم روّاد هذا الرأي بعض المحللين “الإسرائيليين” والأمريكيين والعرب المطبّعين. إذ إثر عمليتي اغتيال إسماعيل هنية رئيس المجلس السياسي لحركة حماس والقائد الجهادي لحزب الله السيد فؤاد شكر، وقبلهما اغتيال القائد صالح العاروري، رأوا أنها كانت ضرورية لاستعادة قدرة “إسرائيل” على الردع والثقة بالنفس، والتي تراجعت بشدة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” المفاجئة وغير المسبوقة في السابع من تشرين الأول 2023.
لكن هذا الرأي أثبت عدم صوابيته مع جماعات المقاومة ذات العقيدة الدينية الملتزمة. إذ عند تحليل نهج الاغتيالات “الإسرائيلية” نجد نتائجها في إحداث معايير تكتيكية، وغالبًا ما تكون لها آثار استراتيجية سلبية على الاحتلال. وذلك؛ لأن عقدة “إسرائيل”، في تعاملها مع الحركات العقدية والأيديولوجية المتماسكة، هي أن الاغتيال السياسي لم ينجح في صناعة الفارق الاستراتيجي الذي أحدثته مع غيرها من الحركات عبر الاغتيالات. إذ على الرغم من كثافة الاغتيالات عدديًا للصف الأول من قادة حماس من المؤسس الشيخ أحمد ياسين إلى رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية في إيران ونائبه صالح العاروري في لبنان، وقبلهما سلسلة طويلة من الصف الأول، لم يحدث تحولات منهجية في الحركة، فكان تأثير الاغتيالات عليها إجراءً عملياتيًا محدودًا يرتبط بإعادة ترتيب أوراق تنظيمية لا أكثر، لا انقلاب داخليًا أو تغير جذريًا في المسارات، بل إنّ اغتيال “هنية” رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أعقبه انتخاب، وبالإجماع، يحيى السنوار، بما معناه أنَّه لا يوجد في الحركة إلا مدرسة واحدة، وهي المواجهة المسلحة المقاومة.
إزاء هذا الواقع؛ لا يضحي للاغتيال قيمة من الناحية الاستراتيجية، وتصريح رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بأن، “استهداف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من شأنه أن يغير شكل الشرق الأوسط” استنتاج غير واقعي ومقارنة في غير مكانها الصحيح، وما هو إلا حدث موضعي غايته آنية. إذ كما يرى المحلل العسكري ألون بن ديفيد المقرّب من قيادة جيش الاحتلال، أنَّ “سياسة الاغتيال تقود إلى نتائج عكسية، فتعمل على “توسيع دائرة العنف”، ولن تقضي على من وصفهم بالإرهابيين الذين يستبدلون بآخرين أشد عزيمة وحماسة في مواجهة “إسرائيل” و”ربما تصبح أكثر قوة وتنظيمًا”. وأفضل مثال يضربه بن ديفيد على ذلك هو حزب الله، معلقًا: “عند اغتيال عباس الموسوي، أمين عام حزب الله السابق، وتولي نصر الله، تحول الحزب من جماعة صغيرة إلى جيش منظم”.
ويقول الخبير الاستخباراتي في صحيفة “هآرتس” “الإسرائيلية” اليسارية، إن استشهاد السيد نصر الله، لن “يغيّر قواعد اللعبة”؛ ويضيف: “سيواصل حزب الله، على الرغم من الضربات الكبيرة التي تعرّض لها، استهداف شمال “إسرائيل”.. وطالما القصف متواصل، لن يعود الأشخاص الذين أجلوا”. وفي مقال رأي منفصل في صحيفة “هآرتس”، كتب ميلمان وهو مؤرخ ومحلل عسكري، أن العمليات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في غزة ولبنان تشير إلى أن سياسة الاغتيالات “أصبحت غاية في حد ذاتها”.
كما أن الدليل الساطع على استمرار توهج تجربة حزب الله، بعد استشهاد أمينه العام الثاني، الانبهار الذي يعبر عنه كثيرون في العالم الذين يواكبون الحرب على لبنان، فهم يرون أنه بعد الضربات القاسية التي تلقتها المقاومة، سواء في بنيتها بضربات الأجهزة اللاسلكية وأجهزة المناداة ولاحقًا باغتيال القيادات العسكرية والأمنية وصولًا لاغتيال الرمز والقائد وحملات القصف المدمّر في الجنوب والضاحية والبقاع وموجات النزوح التي طالت بيئة المقاومة، ما ينجزه شباب المقاومة من ثبات واقتدار ونجاحات في الجبهة خارق للطبيعة وأقرب للمعجزة، ولم يسبق لهم أن رأوا مثله في حروب أخرى وفي ظروف أقل صعوبة.



