ثقافية

حين تمطرنا الومضة الشعرية جمالا.. «التوقيع .. غيمة»

كاظم حسوني

القراءة المتأنية لديوان (التوقيع.. غيمة) للشاعرة (نادية الكاتب) الصادر حديثا عن دار (رؤى) في بغداد / 2016، تتضح منها تشكلات بنائية الحكاية (الومضة) باعتمادها النقل الفوري المباشر للمشهد، عبر ومضات شعرية مكثفة مختزلة، محكمة الصنع، تشي بتجربة مهمة، كأنها تقف على محورعالمنا، بكائناته، ومسمياته المختلفة، المرأة، الحياة، الماضي، الحب، الكلمة، الخيال، الى جانب الثنائيات، كالرحيل/ البقاء، الوهم/ الحلم، البعد/ القرب، وسواها. الا ان الشاعرة غير قابلة للاستقرار عند نقطة او بؤرة معينة، لكن المحصلة الدلالية تشير الى رجحان كفة الحلم على كفة الواقع، الى جانب ما تطرحه نصوصها من تساؤلات بما تنبئ به من مدلولات جمالية ومعرفية لوضع القارئ في مواجهة المكون الدلالي..
(اطلالة)
حين اطلت..
امرأة خيالة..
قطعت..
نساء سريره..
ايديهن..
يتفاعل صوت الشاعرة بعمق كبير مع القضايا اليومية التي تطرحها الحياة، بتلقائية وعفوية، بعيدا عن القصدية والغموض والمواربة، الا ان نادية تتقن لعبة صناعة النص الذي ينزع الى التجديد والابتكار، وتؤسس لتجربتها بشكيل لغوي انيق، ونسق عروضي له رنين خاص، فضلا عن الموهبة المتقدة، لتحقق حالة من التفجر والايقاع والدهشة، وتمنحنا مشاعر متداخلة من الاسى والالتذاذ والبهجة، بتقنية تشبه تقنية القصة القصيرة جداعلى مستوى النسق السردي، نقرأ في (غفوة):
ارتشف قميصه..
دمعتي الاخيرة..
لم يجفل
من الاغفاءة الطويلة قلبه..
فقد نفد نبضه..
وبرغم شيوع نمط قصيدة الومضة، لكن تجربة نادية الكاتب ، لها فرادتها من بين الاصوات الشعرية الكثيرة، من حيث التصميم والوعي والبناء والتشكيل، وفي حسيتها وظلالها الشفيفة، كأن ومضاتها نهر دافئ نستحم فيه، في نصوصها تبرز براءة الشاعر وعفويته وموهبته وصدقه نجد خطابا (مونولوجيا) داخليا، وصوتا في بنية حوارية مفترضة مع الاخر، ففي قصيدة (عوق) نقرأ:
اجترارالماضي..
عوقي
لست مسؤولا عنه..
فانت..
رجل حاضر..
في موازنة جدلية ترافقها وتغلب عليها هيمنة تجربة القلب، بمستوى راق من التعبير والبوح والمكاشفة، فهي تتعامل مع الاشياء من زاوية حسية وروحية عبر معاناتها وهواجسها، بامتلاك ذلك التوتر الداخلي الخلاق، فتبدو قصائدها نصوصا عميقة تتوفر على بنية حكائية تتجسد على شكل ومضة خاطفة او مشهد سريع او لقطة هاربة اكتملت فيها وحدة الانطباع والموضوع، بمهارة ساحر يمد شباكه وقلبه لاقتناص حالة وجد. واخيرا فان الشاعرة نادية الكاتب من الشعراء القلائل الذين يجيدون صناعة هذا اللون من الشعر اي قصيدة الومضة بمهارة ، وتمتلك فضيلة الصدق مع النفس والتجربة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى