الفرق بين الاطمئنان والأمن من مكر الله

اطمئنان القلب يأتي ضد الخوف المذموم، إذ ان قوة القلب وعدم اضطرابه، يحكم العقل بعدم الحذر عنه بوصفه صفة كمال، ونقيضه نقص ورذيلة، وأما الخوف الممدوح، فضده الأمن من مكر الله، وهو من المهلكات وقد ورد به الذم في الآيات والأخبار، قال الله سبحانه: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).
وقد ثبت بالتواتر، أن الملائكة والأنبياء كانوا خائفين من مكره، كما روي: أنه لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبرئيل وميكائيل يبكيان، فأوحى الله إليهما: ما لكما تبكيان؟ فقالا: “يا رب، لا نأمن مكرك، فقال الله: هكذا كونا، لا تأمنا مكري”.
وروي: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وجبرئيل بكيا من خوف الله تعالى، فأوحى الله إليهما: لم تبكيان وقد أمنتكما؟ فقالا: ومن يأمن مكرك؟ وكأنهما لم يأمنا أن يكون قوله (قد أمنتكما) ابتلاء لهما وامتحانا، حتى أن سكن خوفهما ظهر أنهما قد أمنا المكر وما وفيا بقولهما، كما أن إبراهيم (ع) لما وضع في المنجنيق، قال: حسبي الله، وكان هذا القول منه من الدعاوي العظيمة، فامتحن وعورض بجبرئيل (ع) في الهواء حتى قال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
وكان ذلك وفاء بمقتضى قوله، فأخبر الله تعالى عنه وقال: (وإبراهيم الذي وفى) وبالجملة ينبغي للمؤمن ألا يأمن من مكر ربه، كما لم يأمن منه الملائكة والأنبياء، وإذا لم يأمن منه كان خائفاً منه دائما.
التلازم بين الخوف والرجاء
الرجاء ارتياح القلب لانتظار المحبوب، وهو يلازم الخوف، إذ الخوف – كما عرفت – عبارة عن التألم من توقع مكروه ممكن الحصول، وما يمكن حصوله يمكن عدم حصوله أيضا، وما كان حصوله مكروها كان عدم حصوله محبوباً، فكما إنه يتألم بتوقع حصوله يرتاح ليتوقع عدم حصوله أيضا، فالخوف عن الشيء وجوداً يلزمه الرجاء عدما، وعنه عدما يلزمه الرجاء وجودا. وقس عليه استلزام الرجاء للخوف، فهما متلازمان، وإن أمكن غلبة أحدهما نظراً إلى كثرة حصول أسبابه. وإن تيقن الحصول أو عدمه لم يكن انتظارهما خوفاً ورجاءً، بل سُمّي انتظار مكروه أو انتظار محبوب، ثم كما إن الخوف من متعلقات قوة الغضب، وإن الممدوح منه من فضائلها، لكونه مقتضى العقل والشرع، وباعثا للعمل من حيث الرهبة، فكذا الرجاء متعلق بها ومن فضائلها، لكونه مقتضاهما وباعثا للعمل من حيث الرغبة، إلا أن الخوف لترتبه على ضعف القلب يكون أقرب إلى طرف التفريط، والرجاء لترتبه على قوته يكون أقرب إلى طرف الإفراط وإن كان كلاهما ممدوحين، ثم لا بدَّ أن يحصل أكثر أسباب حصول المحبوب حتى يصدق اسم الرجاء على انتظاره، كتوقع الحصاد ممن ألقى بذراً جيداً في أرض طيبة يصلها الماء. وأما انتظار ما لم يحصل شيء من أسبابه، فيسمّى غروراً وحماقة، كتوقع من ألقى بذراً في أرض سبخة لا يصلها الماء. وانتظار ما كان أسبابه مشكوكة يسمّى تمنياً، كما إذا صلحت الأرض ولا ماء.
وتفصيل ذلك، أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان كالبذر، والطاعات هي الماء الذي تسقي به الأرض، وتطهير القلب من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك والأحجار والنباتات الخبيثة، ويوم القيامة هو وقت الحصاد، فينبغي أن يقاس رجاء العبد (المغفرة) برجاء صاحب الزرع (التنمية)، وكما أن من ألقى البذر في أرض طيبة، وساق إليها الماء في وقته، ونقاها الشوك والأحجار، وبدل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة للزرع، ثم جلس ينتظر كرم الله ولطفه مؤملا أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز مثلا، سمّي انتظاره رجاءً ممدوحاً فكذلك العبد إذا طهر أرض قلبه عن شوك الأخلاق الردية وبث فيه بذر الإيمان بماء الطاعات، ثم انتظر من فضل الله تثبيته إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاءً حقيقياً محموداً في نفسه.
وكما أن من تغافل عن الزراعة واختار الراحة طول السنة، أو ألقى البذر في أرض سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهد البذر وإصلاح الأرض من النباتات المفسدة للزرع، ثم جلس منتظراً إلى أن ينبت له زرع يحصده سمّى انتظاره حمقا وغرورا.
كذلك من لم يلقِ بذر الإيمان في أرض قلبه أو ألقاه مع كونه مشحونا برذائل الأخلاق منهمكا في خسائس الشهوات واللذات، ولم يسقِ إليها ماء الطاعات، ثم انتظر المغفرة، كان انتظار حمقا وغرورا. وكما أن من بث البذر في أرض طيبة لا ماء لها، وجلس ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار، وإن لم يمتنع أيضا، سمّي انتظاره تمنيا، كذلك من ألقى بذر الإيمان في أرض قلبه، ولكنه لم يسقِ إليه ماء الطاعات، وانتظر المغفرة بلطفه وفضله، كان انتظاره تمنيا.
فإذن، اسم (الرجاء) إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبقَ إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات، فالأحاديث الواردة في الترغيب على الرجاء وفي سعة عفو الله وجزيل رحمته ووفور مغفرته، إنما هي مخصوصة بمن يرجو الرحمة والغفران بالعمل الخاص المعد لحصولهما وترك الانهماك في المعاصي لهذا الاستعداد، فاحذرْ أن يغرك الشيطان ويثبطك عن العمل ويقنعك بمحض الرجاء والأمل.
وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في الطاعات وصرفهم العمر في العبادات ليلا ونهارا، أما كانوا يرجون عفو الله ورحمته؟ بلى والله، إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأرجى لها منك ومن كل أحد، ولكن علموا أن رجاء الرحمة من دون العمل، غرور محض وسفه بحت، فصرفوا في العبادات أعمارهم وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم.



