اخر الأخباراوراق المراقب

الولاية ما بين الجدِّ والسِّبط

بين رسول الله الأعظم (ص) ونحن نعيش ذكرى شهادته المؤلمة، وفي نفس ذكرى شهادة سبطه الأكبر ولي الأمة في عصره الإمام الحسن المجتبى (صلوات الله عليهما وآلهما) على بعض الروايات، نجد أن خط الولاية والرسالة متصلاً بينهما، وكذلك خط السَّم والغدر والشهادة متصلاً بينهما أيضاً لأنهم وكما قال قائلهم: (بَنى لَهُمُ الماضونَ أساسَ هَذِهِ * فَعَلّوا عَلى أساسِ تِلكَ القَواعِدِ)، فالذي انقلب على الجدِّ وسقاه السَّم ليصل إلى الكرسي والسلطة، هو نفسه الذي أرسل السَّم إلى الجعدة بنت الأشعث لكي تسمَّ الإمام الحسن السبط (عليه السلام) لتفوز بولده يزيد، ونصف مليون من الدراهم فقط.
فسم الجد الأعلى أو صل بني أمية الطلقاء الذين كل أنواع الحكم والسلطة محرمة عليهم بنصٍّ من رسول الله (ص) ولأنهم من أبناء الشجرة الملعونة في القرآن، وأنهم أبغض الخلق إلى الله بشهادة الخليفة الحاكم الثاني وبلسانه، فعن ابن عباس أنّه قال لعمر: يا أمير (المواطنين) هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (إبراهيم/29)؟ قال: (هم الأفجران من قريش (مخزوم وأميَّة) أخوالي وأعمامك، فأمّا أخوالي (مخزوم) فاستأصلهم اللّه يوم بدر، وأمّا أعمامك (أمية) فأملى اللّه لهم إلى حين). (الدرّ المنثور للسيوطي: ج4 ص۸4 وأخرجه البخاري في تاريخه، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن مردويه)

المحنة بين رسول الله وسبطه الأكبر
والعلماء يقولون: “التاريخ يعيد نفسه”، و”الناس ناس والزمان زمان”، ولكن كم هو الفرق بأن يكون رأس المجتمع في التاريخ رجل ساقط كأبي الجهل عمرو بن هشام المخزومي (فرعون هذه الأمة)، ومن بعده كهف المنافقين أبو سفيان، ومن بعده ولده الدَّعي معاوية بن هند الهنود آكلة الكبود الداهية، أو أن يكون قائده وسيده وإمامه محمد بن عبد الله رسول الله وخيرته، (ص) ثم وصيه ووليه وصهره الإمام علي بن أبي طالب، ومن بعده السبط الأكبر سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن المجتبى (عليهم سلام الله)، إنه فرق يقاس بالسنين الضوئية ولا قياس أصلاً، فأين الثرى من الثريا، وأين قاع البحر الميِّت من ساق العرش الذي كُتب عليه أسماء أهل البيت (عليهم السلام)؟
ولكن المحنة وعثرات التاريخ وسوء طالع المسلمين أن مثل أبو سفيان معاوية يقف نداً لرسول الله (ص)، ومثل معاوية يقاتل أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وعندما وقفت الحرب بخديعة الداهية عمرو بن العاص افتعلوا مسألة الخوارج وتآمروا على قتل الإمام علي بن أبي طالب (ع) في محراب عبادته واستمروا في المكر والغدر والخديعة حتى هادنه الإمام الحسن المجتبى وهو أحق الناس بالناس، وأطهر أهل الأرض في حينها، ولكن ماذا يصنع وقد فعلت سياسات وخساسات معاوية فعلها فراح جيشه يغدر به ورؤساء العشائر تبيع نفسها وشرفها إلى معاوية ويعدونه أن يسلمون له إمامهم وسيد شباب أهل الجنة سلماً، فلم يقبلوا بالجنة وسيِّدها بل زحفوا على البطون والرُّكب إلى خسيس أهل النار معاوية طالبن رضاه عنهم ولن يرضى عنهم أبداً.
والعجيب أنهم حاولوا اغتيال إمامهم مراراً وطعنوه في المدائن ونهبوا حتى مصلاه ولما هادن ووادع معاوية جاؤوا إليه قائلين: “السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين”، وا عجباه، من خور العزيمة، وفلول الحدِّ بعد الجدِّ، هل كان الإمام الحسن المجتبى مذلاً للمؤمنين، أو أن الذي أذلهم وقتلهم تحت كل حجر ومدر هو ذلك الطاغية الذي زحفوا إليه طلباً للعافية كما كانوا يظنون فوجدوا عنده السيف والسَّم الزُّعاف لسادتهم وصلحاءهم.
وإليك فلسفة الهدنة والصلح بلسان الإمام المجتبى (عليه السلام) فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِيصَا قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ لِمَ دَاهَنْتَ مُعَاوِيَةَ وَصَالَحْتَهُ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ اَلْحَقَّ لَكَ دُونَهُ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ ضَالٌّ بَاغٍ؟
فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَ لَسْتُ حُجَّةَ اَللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَإِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)؟ قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: أَ لَسْتُ اَلَّذِي قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِي وَلِأَخِي: (اَلْحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا)؟ قُلْتُ: بَلَى.

قَالَ: فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ، وَأَنَا إِمَامٌ إِذْ لَوْ قَعَدْتُ.. يَا أَبَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ اِنْصَرَفَ مِنَ اَلْحُدَيْبِيَةِ، أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ.. يَا أَبَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اَللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ، أَوْ مُحَارَبَةٍ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ اَلْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً؟ أَ لاَ تَرَى اَلْخَضِرَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لَمَّا خَرَقَ اَلسَّفِينَةَ، وَقَتَلَ اَلْغُلاَمَ، وَأَقَامَ اَلْجِدَارَ، سَخِطَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِعْلَهُ لاِشْتِبَاهِ وَجْهِ اَلْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ؟ هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ اَلْحِكْمَةِ فِيهِ، وَلَوْلاَ مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ أَحَدٌ إِلاَّ قُتِلَ). (علل الشرایع للشيخ الصدوق: ج۱ ص۲۱۱)
فوجه الحكمة واضح ولكن الذي لم يؤمن بالصلح ومعاهدة الحديبية أصلاً، وقال: “لو وجدت معي مائة لجاهدتهم” ولما نزلت سورة الفتح المبين وقرأها عليه رسوله الله (ص) قال: “والله ما هذا بفتح”، فكيف لمثل هؤلاء العصاة أن يدركوا وجه الحكمة ولسان الوحي يقول ولكنهم يقولون هم ولا يأبهون للوحي ولا للرسول ولا لشيء لأنهم أغلقوا قلوبهم وعقولهم عن الفهم فكيف سيفهمون موقف الإمام الحسن السبط وهم لم يفهموا موقف الجد الرسول الأعظم (ص) من قبل؟
الطاعة هي الطاعة
والطاعة هي المطلوبة من الإنسان أن يؤديها إلى سيده ومولاه سواء كان رسول الله أو لي الله ولكنهم ادَّعوا الأخذ بكتاب الله (حسبنا كتاب الله يكفينا) وتركوا الشَّطر الآخر وقالوا: “لا نسلم لهم زمام أمورنا أبداً”، و”لا تجتمع النبوة والإمامة في بني هاشم”، لأنهم كانوا ينظرون إلى المسألة بعين أبي سفيان العمياء التي لا ترى منها إلا السُّلطة والحكم، وهم قلبوا الطاعة من ولي الله إلى الحاكم والسلطان ولو كان الشيطان كمعاوية أو ولده الشرير يزيد وأفتوا بحرمة الخروج عليهم والعجيب منهم أنهم يعنونون أبواباً في كتبهم ومجاميعهم الروائية: “باب لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، ويلكم من الله هل كان معاوية وولده الشرير، أو الأوزاغ يطيعون الله حتى أفتيتم بوجوب طاعتهم وحرمة الخروج عليهم، والجواب عن هذا السؤال أوضح في عالمنا اليوم فهل طاعة هؤلاء العصاة من حكام البلاد واجبة على المسلمين المحكومين فما لكم كيف تحكمون؟
فمَنْ يفتي بوجوب الطاعة عليه أن يأمن بعدم معصية مَنْ يفتي بطاعته، وأنى لهم ذلك وهم غارقون في المعصية حتى آذانهم بل يطيعن الاستكبار العالمي وإمبراطورية الشَّر أكثر مما يطيعون الله تعالى والواقع يشهد على ما نقول، وها هي غزة هاشم شاهدة ودماء أكثر من خمسين ألف مازالت حارَّة تغلي ولا أحد يأبه بهم من أمة تدَّعي أنها ربع المعمورة، وما أو صلنا إلى هذه القاع السَّافلة إلا طاعة الحكام الذين يعصون الله في العباد والبلاد ويأتيك بوق من أبواقهم الشيطانية ويُفتي بوجوب طاعتهم، وأي طاعة لمَنْ عصى الله ورسوله وكتابه وكل المنظومات الحقوقية، والشرعية، والأخلاقية، وحتى الأعراف الاجتماعية؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى