حسن مطلك.. جوهرة إبداعية أعدمها الطاغية المقبور

يعد الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك واحدا من المبدعين الذين برزوا في العديد من الفنون والاداب فهو كتب (في القصة والرواية والشعر كما قدم أعمالا في الرسم، فكان المبدع متعدد الأوجه، ورغم حياته القصيرة فهو ترك إرثا هاما خاصة من كتاباته القصصية التي يستعيدها شقيقه محسن الرملي في الأعمال الكاملة الجديدة التي تضم نصوصا لم تنشر لمطلك سابقا.
هو جوهرة إبداعية و واحدا من أهم الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق، في ثمانينيات القرن العشرين، ويطلق عليه البعض تسمية لوركا العراقي. هو صاحب رواية “دابادا” التي عدها النقاد من بين أهم الروايات العراقية التي ظهرت في العقدين الأخيرين، لما تميزت به من فرادة على صعيدي الشكل والمحتوى، وقد أعدمه شنقا النظام الدكتاتوري السابق في العراق بتاريخ 18 يوليو 1990 بتهمة اشتراكه في محاولة قلب النظام.
الكاتب والروائي العراقي محسن الرملي شقيق حسن مطلك أعد الأعمال القصصية الكاملة لشقيقه لتصدر أخيرا عن دار المدى، كاشفا في تصريح خاص بـ”العرب” عن أنه سبق له وأن جمع في كتاب، نشر في بيروت عام 2009، الأعمال القصصية التي كان قد نشرها شقيقه في حياته.
ويضيف “لكن هذا العمل أكمل وأشمل، لأنه يضم كل أعماله القصصية، أي التي نشرها والتي لم ينشرها، بما فيها أولى محاولاته القصصية، الأمر الذي سيمتع وسينفع أكثر؛ القراء والباحثين والدارسين والمتتبعين لأدبه وسيرته، ويعينهم على استيضاح المزيد عن مناخاته وشخصياته وطبيعة نمو وتطور مراحل أسلوبه، والمواضيع التي تناولها في كل مرحلة، ورؤيته لها”.
يوضح الرملي “هذه مجمل القصص القصيرة التي أبدعها حسن مطلك صاحب الروايتين المعروفتين ‘دابادا‘ و‘قوة الضحك في أورا‘، هي شاهد على تميزه في القصة، كما تميز في الرواية، فكان أحد الأصوات المهمة في القصة العراقية، نال فيها جائزتين وترجمت بعض نصوصه إلى لغات أخرى. بعض هذه القصص قد سبق نشرها في الصحافة الثقافية أثناء حياة الكاتب وأغلبها لم يسبق نشره، فقمت على جمعها وإعدادها”.
وقسم الرملي الأعمال القصصية الكاملة إلى أربع مجموعات: “صرير المحراث” والتي تضم القصص الأولى، البدايات التي كانت بمثابة تمارين على الكتابة، “الحب هو الركض على حائط” وهي القصص الخاصة بموضوعة الحرب، “أبجد حسن هوز” وتناولت مواضيع شتى، من بينها قضايا المرأة والحب والكتابة والتقاليد الاجتماعية والفن والفلسفة والوجود، مصاغة كلها بأسلوب ولغة حسن مطلك الرفيعين ورؤيته العميقة والخاصة والمرهفة تجاه كل ما يتطرق إليه. وأخيرا “ربع ساعة جنون” وهي أقاصيص قصيرة جدا وقصة للصغار وحكاية شعبية ومسرحية ناقصة.
ونقل الرملي عن حسن مطلك؛ قوله “إن القصة أرض خصبة لبذر الأفكار. ليست القصة مجرد وسيلة لإيصال حدث أو واقعة حياتية معينة، إنها مشروع لهدم العادة. أسلوب منتقى للكشف عن جانب من جوانب الحقيقة، والاقتراب بالمعنى الإنساني من معناه، لكي نعرف أننا كنا على قيد الحياة وما زلنا، ونعرف أن هناك جوانب كثيرة في حياتنا يمكن أن نعتز بها، حتى الجوانب الضئيلة. لأجل تكون الوعي التاريخي البنائي، إننا لم نأت من عدم. وعلينا أن نتعود (كقصاصين) أن نتأثر بروايات الآخرين عن أنفسهم، وندرب أنفسنا على طريقة تلقي (الحكي) بنوع من التعاطف والتأثر والاهتمام، دون إهمال للتفاصيل التي نرى أحيانا بأنها لا تعنينا. بالتحديد؛ تصفية كذب الناس، باعتباره إضاءة لجانب الخيال الاجتماعي الذي يجعل الحياة أقل قسوة”.
ويرى الرملي أن “جل قصص حسن مطلك كان يستقيها من الواقع الذي عاشه في القرية والمدينة والجامعة والحرب، وكان ينصحني بذلك قائلا، كما في إحدى رسائله “حاول أن تستفيد من حالات الواقع وتطورها وتستعير منها رموزا، إذا أردت كتابة قصة رمزية. أو تسجل الحوار اليومي العادي في حالة القصة الواقعية”.
ويضيف الرملي “كان حسن مطلك المثقف كثير القراءة وله خصوصيته في استخراج الرؤية من النصوص التي يقرأها وطبيعة تأويله لها ونقدها. وأكثر قراءاته كانت في الفلسفة وهو لا يتردد في مناقشة أعقد الأطروحات الفلسفية مع أي شخص بمن في ذلك البسطاء من الفلاحين ممن كان بعضهم يلقبونه بين الجد والسخرية بـ‘الفيلسوف الدفين‘. وهو ميال إلى الفلسفة المثالية أو الأصح الإنسانية أكثر من ميله إلى المادية أو الميتافيزيقية”.
يتابع أن مطلك كان “يميل إلى أفلاطون والسفسطائيين وهيغل وسارتر وهو شديد الإعجاب بالمتشائم شوبنهاور وبنيتشه الذي يحفظ الكثير من أقواله. وكان من عادة حسن أن يحفظ عن ظهر قلب النصوص التي تعجبه لغة أو بناء أو رؤية. ومن ذلك أذكر أنه يحفظ قصة ‘البومة في الغرفة البعيدة‘ لغسان كنفاني والفصل الأول من رواية ‘الصخب والعنف‘ لوليم فولكنر، وهو الفصل المتعلق بشخصية المعتوه بنجي، وتأثيره واضح تماما على حسن في دابادا في شخصية شاهين. كما يحفظ قصيدة لوركا ‘الزوجة الخائنة‘. فهل أطلق عليه أصدقاؤه ألقاب لوركا العراقي وكنفاني العراق لإعجابه بهما وحفظ نصوصهما وتشابه نهاياتهم العنيفة?
يشير الرملي إلى أن قصص حسن مطلك ورواياته تحفل بالرموز أيضا، وذلك بحكم الفترة التي كتبت فيها، وهي فترة الدكتاتورية والرقابة الشديدة حتى على الكلام المنطوق، فكيف بالمكتوب، لكنه كان يحرص على قول ما يريد قوله، بشتى الطرق والأساليب، ومنها الرمزية والتجريبية والاشتغال واللعب اللغوي الفريد، ولهذا؛ فهو حين وجد حرية قلمه محاصرة حد الاختناق، شارك عمليا في محاولة جريئة وخطيرة لتغيير نظام الحكم، وكان يردد مقولة لسارتر، مفادها: أن على الكاتب الذي يفقد حرية قلمه، أن يحمل البندقية للدفاع عنها، ولكن المحاولة قد فشلت، وانتهت بإعدامه مع رفاقه.
ويقول “مازلت أنبهر كلما أعدت قراءة أي نص له، وكل نصوصه بلا استثناء، لا تمنح نفسها من قراءة واحدة عابرة، وإنما سيكتشف القارئ لها، مع كل قراءة جديدة شيئا جديدا. لقد تعلمت منها الكثير وما زلت أتعلم”.
وأخيرا يؤكد الرملي أن “هذا الكتاب يستحق أن يكون في مكتبة أي قارئ مهتم بفن القصة بشكل عام، وبالقصة العراقية والعربية بشكل خاص، ففيه نصوص رائعة ومختلفة ومتميزة شكلا ومضمونا”.



