بلغراد عاصمة صربيا المتكئة على أسوار التاريخ

عند التقاء نهري سافا والدانوب، تقف بلغراد بشموخ على نتوء صخري تسرّح نظرها على سهل بانونيا وهي متكئة على غابات سوماديجا “Sumadija” الكثيفة.
هذه الطبيعة الخلابة الأقرب إلى الافتراض جعلت بلغراد عاصمة صربيا محطّ أطماع كثيرين عبر التاريخ فاحتلها القوط والرومان والبلغار والمجريون والنمسويون والأتراك والألمان، فهي المدينة الفاصلة بين الإمبراطورية الرومانية الغربية والشرق، بين الإمبراطورية العثمانية والعالم المسيحي، بين العالم السلافي والغرب، وبين الكاثوليك والأرثوذكس.
كل هذا منحها ثراء تاريخيًا يظهر في أسوارها ولغتها وثقافتها… إنه مزيج من التأثيرات الباروكية غير متوقّع. وفي بلغراد يستحيل عليك عدم الخضوع لسحر التاريخ المتناثر في كل شوارعها وأزقتها وساحاتها. فهي مدينة يكاد العصر يتخلّى عن مزاحمة الماضي الساكن فيها، مستسلمًا لبهائه.
سكادارليجا Skadalirja الحي البوهيمي الأقدم في بلغراد
كثيرًا ما يقارن بين حي سكادارليجا البلغرادي وحي مونمارتر الباريسي. فقد استقطب هذا الحي في أوائل القرن العشرين الشعراء والرسامين الفقراء، ليس فقط من صربيا وإنما من جميع أنحاء يوغوسلافيا القديمة، مما جعله مقصد السياح الباحثين عن وجه بلغراد الثقافي والفني والبوهيمي أيضًا.
الجولة في هذا الحي القديم تدخلك في عوالم بلغراد، فهو شارع مشاة متعرّج مرصوف بالحجارة تحتشد على طوله المعارض الفنية ومحلات التحف والهدايا التذكارية، والمطاعم ومقاهي الرصيف المعروفة والفنادق مثل فندق le petit Piaf.
وعند نافورة Sebilj، يتحلّق موسيقيو الشارع بالزي الصربي التقليدي، منهم من يعزف على آلة البوق الصربية أو الموسيقى الحضرية التقليدية. على عكس الأماكن الفاخرة في بلغراد، يعتبر سكادارليجا مرتع الأسر التي لديها أطفال نظرًا إلى عدم وجود سيارات.
ساحة نيكولا باسيك
هي واحدة من ساحات المدينة المركزية والأحياء الحضرية في بلغراد، بنيت عام 1950 كجزء من مشروع إعادة تنظيم منطقة Terazije. افتتحت تكريمًا لمنظّرَي الشيوعية كارل ماركس وإنجلز. وفي وقت لاحق وفي أواخر عام 1980، كانت أولى الساحات التي تم تغيير اسمها مع انتهاء عهد يوغوسلافيا الاشتراكية. ثم شيّد نصب تذكاري لنيكولا باسيك (السياسي الشهير في صربيا) عام 1990 وأُطلق اسمه على الساحة.
يطغى مبنى سينديكيتا أو «مبنى الاتحاد التجاري» على الساحة وقد جاء على نمط الهندسة المعمارية الاشتراكية.
تتوسطها واحدة من أكبر النوافير في بلغراد ويتحلق حولها متحف التاريخ اليوغوسلافي. يجاور الساحة متنزّه بيونيرسكي، فضلاً عن مباني المجلس البلدي لمدينة بلغراد ورئاسة الجمهورية.
تُنظم في جزء من الساحة مخصص للمشاة معارض الزهور والعسل والكتاب في الهواء الطلق. وفي بعض الأحيان، توضع حلبات تزلج صناعية أو مساحات تفرش بالرمال لتنظيم مباريات كرة الطائرة الشاطئية.
بيزيستان Bezistan
هي منطقة أو رواق التسوق المغلق الذي يشكّل المعبر الداخلي الذي يربط بين الساحة ووتيرازيجي. في الأصل، كان فندق «باريز»، الذي بني عام 1870 وهدم عام 1948 خلال إعادة بناء “Terazije”.
وقد تمت حماية الممر من جانب الدولة لعدّه من «الممتلكات الثقافية». أطلق عليه المهندسون المعماريون تسمية «سرّة بلغراد». منذ عام 1950، كان سوق بيزيستان المغطى زاوية هادئة في وسط المدينة، مع حدائق صغيرة ومقاهٍ… ومقصدًا لكثير من سكان بلغراد.
ولكن في العقود الأخيرة تحوّلت بيزيستان إلى منطقة مزدحمة يقصدها الكثيرون للتسوّق والترفيه. وهي تضم راهنًا دار سينما «كوزارا» ومتاجر الحلوى والهدايا التذكارية ومصرف «رايفايزن».
شارع الأمير مايكل
هو شارع للمشاة ومنطقة التسوق الرئيسة في بلغراد، وهو محمية معمارية بعدّه واحدًا من أقدم معالم المدينة ويحمل قيمة عالية. ويضم عددًا من المباني والقصور التي بنيت في أواخر عام 1870.
يبلغ طول الشارع كيلومترًا واحدًا وأدرج عام 1970 على قائمة الأماكن والمعالم الثقافية والتاريخية ذات الأهمية الكبرى، من جانب جمهورية صربيا.
يعدّ الشارع الشريان الرئيس للمشاة والقلب التاريخي للمدينة ونقطة التقاء سكان بلغراد، وتمت تسميته واحدًا من مناطق المشاة الأكثر جمالاً في جنوب شرقي أوروبا، لذا فهو يشهد ازدحام سكان بلغراد والسياح. يضم العديد من المحلات التجارية الرائدة والمقاهي القديمة kafanas. كما يضم المتحف الوطني ومبنى أوركسترا الغجر.
متنزّه وقلعة كالميجدان
يعدّ متنزّه كالميجدان الأكثر شعبية لدى سكان بلغراد وزوارها، فهنا الطبيعة والتاريخ يبثّان جمالاً وهدوءًا. يضم المتنزّه الكثير من المسارات، والمقاعد المظللة، والنوافير الخلابة، والتماثيل، والهندسة المعمارية التاريخية، والمناظر الخلابة على النهر، أعيد الكشف عن القناة السابقة التي كانت تستعمل لتزويد المدينة بالمياه في العصور الوسطى عام 2000.
أما حصن كالميجدان فيحضن كليومترات من الأنفاق والممرات تحت الأرض والسراديب التي ما تزال غير مستكشفة إلى حد كبير.
يشكل المتنزّه والقلعة الرئة الحقيقية للمدينة ومكان النزهة الأروع بالنسبة إلى سكان بلغراد والسياح. وكالميجدان تلخص التاريخ المضطرب للمدينة البيضاء: في هذا المكان الضخم الذي يجري من تحته نهرا سافا والدانوب تختبئ الأطلال الرومانية والتركية، ويحضن متحف التاريخ الطبيعي، حديقة الحيوان، وملاعب كرة السلة العسكرية التي بنيت في خندق القلعة في القرون الوسطى… ويجتمع في أي موسم وفي أي وقت، لاعبو الشطرنج، والطلاب والفنانون وتجار الحلي.




