الحصيلة من زيارة الأربعين

محمد علي جواد..
ما هي هدية سفرك؟! بهذا السؤال يتم استقبال القادم من رحلة خارج بلده او حتى مدينته ليتحف أهله وأصدقائه بهدايا رمزية تعبر عن هوية وثقافة ذلك البلد، مثل المقتنيات المنزلية، او الأطعمة، او الاكسسوارات.
زيارة الأربعين لمرقد الأمام الحسين، عليه السلام، ذات الخصوصية في كل شيء، مليئة بالمشاهد والمواقف والحالات تمثل انطباعاً نفسياً، كما تصلح لأن تكون صورة كبيرة ذات دلالات عميقة.
العلماء يؤكدون دائماً على ضرورة ان يأخذ الزائر شيئاً من زيارة مرقد الأمام الحسين، لنفسه وأهله، ليس في هذه الزيارة فقط، وإنما في سائر الزيارات المليونية، بل وكل زيارة، لاسيما زيارات ليلة الجمعة، لأن الامام الحسين اختزل قيم الأخلاق، والدين، والإنسانية، وأي انسان واعي يتحسس حاجته الى هذه القيم في تعامله اليومي مع افراد عائلته واقربائه و اصدقائه.
أخلاق الخدمة
كتب الكثير عن ظاهرة الخدمة في المواكب الحسينية، والحماس المتصاعد بشكل مذهل، لاسيما بين اوساط الشباب لتقديم مختلف اشكال الخدمة لزائري الامام الحسين على الطرق الخارجية للزائرين المشاة، او في داخل المدن، وايضاً مدينة كربلاء المقدسة، وليس خافياً روحية العطاء والتضحية الملهمة لهؤلاء خلال أيام زيارة الاربعين.
هذه الروحية المستمد من ثقافة الامام الحسين، وثقافة اهل البيت، عليهم السلام، تتجاوز الزمان والمكان، فهي مثل أي خصلة أخلاقية ترافق الانسان وتنمو طيلة أيام حياته، فالمعروف بين الناس أن الصادق، يكون صادقاً طيلة ايام حياته، ويُعرف بهذه الصفة بين أهله واصدقائه، وكذا صفات الأمانة والمروءة والعفو والتواضع، فكما أن أصحاب الامام الحسين كانوا يوم عاشوراء، صابرين، وصادقين، وشجعان، لا يخافون في الله لومة لائم، فانهم كانوا قبل هذا طيلة حياتهم بهذه الصفات، او كانوا يحملونها بذوراً في ذواتهم، عملوا على تنميتها لتصل الى النضوج والتكامل يوم يحتاجونها في اللحظة الحاسمة، كما هو الحال عند الحر الرياحي، و زهير بن القين.
وعندما نسلط الضوء على أخلاق الخدمة هذه الايام، لأنها العلامة الفارقة للشباب المندمج مع المناسبة الحسينية، مما يدعوهم لأن يصطحبوا هذه الصفة والثقافة الحسينية الى ديارهم والى حياتهم العادية فيما بعد انتهاء شهر صفر المظفر، وعودة الناس الى أجواء العمل والدراسة، وما أحوجنا اليوم الى ثقافة العطاء و اسداء الخدمة الى الآخرين، انطلاقاً من البيت الصغير والعائلة، ومن ثم المنطقة السكنية ومروراً بمحيط العمل والدراسة، والعلاقات الاجتماعية، أبسط الامثلة؛ النظافة في المناطق السكنية وضرورة تجميعها في مكان مخصص وعدم حرقها واستبدال الرائحة الكريهة بغازات سامّة، وايضاً؛ و مدّ يد العون الى محدودي الدخل ليتمكنوا من الدراسة والتعليم والعلاج والزواج، وهو ما يقدر عليه الطالب البسيط في المدرسة بمساعدة زميله غير القادر على تسديد تكاليف الدروس الخصوصية، فضلاً عن الكبار والميسورين، والامثلة كثيرة في حياتنا.
نعم للاندماج لا للفوارق
من أروع ما قدمته النهضة الحسينية لنا وللعالم أجمع؛ المساواة ونبذ الفوارق العرقية والقومية والطبقية ضمن الامة الواحدة في اطار الدين الاسلامي، وعلى صعيد العالم أجمع في إطار المفاهيم الانسانية السامية التي ثبتها الامام الحسين يوم عاشوراء وأبرزها؛ الحرية.
وإلا ما الذي يدفع أهالي المدن الجنوبية في العراق لاستقبال القادم من باكستان وافغانستان واذربيجان، وحتى من الصين، شرقاً، والقادمين من البلاد الاوربية غرباً والبلاد الافريقية، وحتى من القارة الاميركية، يقدمون لهم بكل شوق وحماس كل ما يحتاجونه من طعام وشراب ومسكن وخدمات أذهلت هؤلاء جميعاً؟
انه الهمّ الأكبر في العالم بأسره؛ الحرية والكرامة المنتهكتان من قبل الانظمة الديكتاتورية الحاكمة، وفي الدرجة الثانية من قبل اطراف اخرى داخل المجتمع.



