اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام الحسين “ع” مدرسة الزهد والعطاء والرفض

تربّى في حاضنة النبوّة، وترعرع في مدرسة الإمامة، ونهل من العلم أعلمهُ ومن السخاء أكرمه، ومن العطاء أكثره، ومن الزهد أعظمه، إنه الحسين بن علي “عليهما السلام”، سليل النبوة وامتداد الإمامة، ونسغ الشجاعة، ونبذ الدنيا بمفاتنها، فصار أكثر الناس زهداً في عهده.

هذا هو الإمام الحسين “عليه السلام”، الذي اشتغل في حياته مجاهداً في سوح الحق، رافضاً للظلم أيًّاً كان حجمه أو شكله أو مصدره، نصيراً لبني الإنسان، لا تغرّه مغريات الدنيا أو مباهج السلطة، قضى حياته ساعياً في قضاء ما يحتاجه الناس، ديدنه العبادة والدار الأخرى.

ومن ملَكة الزهد، ونبذ مغانم الحياة ومحافلها الآسرة، ينطلق إلى ما يضاعف الزهد ويجعله حقيقة راسخة، حيث السعي الأبدي في قضاء حوائج الناس، راضعًا هذه الصفة من أبيه أمير المؤمنين ومن أجداده “عليهم صلوات الله وسلامه”، فالكرم والسخاء والزهد ومساعدة الناس تلتقي كلها في شخصية الثائر الذي لا تلهيه الدنيا بملاهيها، ولا تشغله المصالح الدنيوية، وفي الوقت نفسه هو حامل لواء الرفض الأعظم للشر والكراهية والظلم.

لقد دفعته ملَكة السخاء كي يستدين من الآخرين، حتى يقضي متطلبات المحتاجين بلا تردد، وصفات الكرم هذه تنبع من جذر الحسين، من الشجاعة المتوقدة في البيت العلوي الأعرق في السخاء والشجاعة والكرم، ذلك لأن الشجاعة والكرم يعلون من جذر واحد، وينطلقان من أساس علوي عظيم، وهل هناك أشجع وأكرم من أمير المؤمنين “عليه السلام”؟.

سبط السلالة النبوية الأكرم

لا غرابة عندما يتخذ سيد الشهداء الإمام الحسين “عليه السلام” موقف الرفض القاطع لمبايعة يزيد، فجميع المؤشرات تنبئ بهذا الرفض، فمن هو جدّه ومن هو أبوه ومن هو أخوه ومن هي أمه، إنه “عليه السلام” سبط السلالة النبوية الأكرم، والمنسوب ولادةً للإمامة العلوية الأطهر، لذلك كان أيقونة الزهد، ورمز السخاء والعطاء، وهو الذي لم يعقد علاقة ودٍّ مع الدنيا، ولا قرابة من أي نوع مع مغريات السلطة.

فقد سعى يزيد بتوجيهات من أبيه، بأن يتقرّب ويغري الحسين (عليه السلام)، لأنه يعرف حجم الخطر الذي يمثله الحسين “عليه السلام” على عرش الظلم والطغيان، فنصحه أن يُكرِم الحسين “عليه السلام” بكل ما يريد وما يطلب، وهي كلمة لا أكثر بمجرد أن ينطقها (المبايعة) فسوف يحصل على كل كنوز الدنيا، ولكن أنى لأرباب الظلم أن يتقربوا من طهر الشجرة النبوية العلوية العظمى.

كل إغراءات الدنيا، وكل ما عرضه يزيد على الإمام الحسين “عليه السلام”، لم تحرك شعرة من جسده الشريف، ولم يرف لها قلبه، ولن تستسيغها روحه، فبقيَ الرافض الأبي، المناهض لطغيان الحاكم وظلمه وجوره وعدوانه، الصارخ بصوت الحق والمنتصر للمظلومين قولاً وفعلاً، ليقدّم نفسه ودمه وذويه وأصحابه، قرباناً لما تعلّمه في مدرسة الزهد والعطاء النبوية العلوية.

نعم لقد حذر معاوية ابنه يزيد من الخطر الجسيم الذي يشكله الإمام الحسين “عليه السلام” على عرش الطغيان، وطلب منه أن يقدم كل ما يريده الحسين وما يطلبه من دون مناقشة، إذا تعلق الأمر بالمال والمغريات والمناصب.

لقد كان يزيد مستعداً لتطبيق وصية أبيه بتقديم المغريات الكبرى للحسين “عليه السلام”، ولكن أنّى للثوار العظماء، أن يستجيبوا لمغريات الحكام الفاسدين، وهكذا كان الحسين بن علي “عليهما السلام”، رافضاً بشكل لا يقبل النقاش مطلقا، لكل ما عرضه عليه يزيد في مقابل كلمة واحدة هي المبايعة وأجابه بذلك الرد الحاسم: (مثلي لا يبايع مثله) وانتهى الأمر.

تنقية العقائد من بدع الضلال

لقد حُسم الأمر تماما لصالح صولة الحق، والثبات على المبدأ، ورفض مغانم الدنيا، والتمسّك بالزهد، وفي الوقت نفسه إعلان الثورة على الظلم، واسترجاع رسالة الإسلام التي خطفها يزيد وسار فيها في مسار منحرف، وأراد أن يشوّه صورة الدين والعقائد، فغيّر أسس الرسالة النبوية، وتجاوز على الأحكام الإسلامية.

لهذا لا يمكن للإمام الحسين، أن يصمت إزاء هذه التجاوزات التي لا مجال للتعامل معها، كونها تأخذ المسلمين إلى مستنقع الفساد والظلم والاستبداد، وإذا أردنا نحن أو غيرنا أن يقارن بين سلالة الحق النبوي العلوي، وبين ممثل الفساد والاستبداد، فلا سبيل لأية مقاربة بينهما، لهذا كان الرفض هو الحل الذي لا بديل عنه مطلقا، فشتان بين رمز النضال الإنساني الأعظم الإمام الحسين “عليه السلام”، وبين الصورة الأسوأ للشر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى