السيدة زينب.. لواء الرسالة وليس طموح السياسة

محمد علي جواد تقي..
“ولئنْ جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إنّي لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكنَّ العيون عبرى، والصدور حَرّى”.
من خطبة السيدة زينب أمام يزيد بن معاوية في الشام
زينب ابنة امير المؤمنين، وحاملة راية أخيها الامام الحسين للإصلاح الشامل في الأمة، وصاحبة الفضل العظيم باستمرارية النهضة الحسينية حتى اليوم، وهي في نفس الوقت امرأة مثل أية امرأة أخرى في العالم من حيث المظهر، إنما في الجوهر فقد تحولت الى نموذج حيّ على مر التأريخ لكل المتطلعات الى النجاح في الحياة.
هذا النجاح الذي أقره المسلمون وغير المسلمين لهذه السيدة العظيمة جاء وفق مواصفات زينبية خاصة مستمدّة من القيم والمبادئ التي ضحى من أجلها جدها المصطفى، وأبوها أمير المؤمنين، وأخواها؛ الإمامان الحسن والحسين، فهي معايير ومواصفات رسالية بامتياز، لا يشوبها حب الظهور، والتسلّط، والتملّك، وتسنّم مناصب حكومية.
رسالة الإصلاح الاجتماعي قبل السياسي
لقد وفّت العقيلة زينب لأخيها الحسين في حمل راية “الإصلاح في أمة جدّي”، ولم تحِدْ عنها خلال فترة السبي وهي تنتقل من مكان الى آخر، من الكوفة وحتى الشام، تلهب النفوس الميتة للناس لتبعث فيها الحياة بكلماتها البليغة والمؤثرة، لمعرفتها أن موت النفوس وصدأ القلوب هو الذي مكّن أمثال ابن زياد، وابن معاوية من النوم هانئين في قصورهم، يتلاعبون بمصائر الامة بكل ثقة وأمان، ولذا نرى انتقادها المباشر لأهل الكوفة بعد تخلّيهم عن الإمام الحسين، والانصياع للنظام الأموي، فجاء العتاب المُر بعد أن رأت فيهم أمارات الندم بالبكاء على ما جنت أيديهم:
“أما بعد يا أهل الكوفة! يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة. إنّما مثلكم {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً}، -آية قرآنية في سورة النحل كناية عن نقض الإيمان- تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصَلف النطف، والصدر الشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دِمنة؟ أو كفَضة على ملحودة؟ ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أراني جديراً بالتذكير بحال السيدة زينب وهي تقوم بمهمة غاية في الصعوبة والتعقيد في مجتمع ذلك الزمان، فهي تعالج معضلة نفسية، متمثلة في الازدواجية، وعقدة الحقارة، والجُبن، مع أزمة روحية في الأخلاق والعقيدة، وهي ليست في غرفة خاصة مؤثثة ومكيّفة، مع كم هائل من الاحترام والتبجيل والإطراء، وقدر كبير من الإمكانيات والامتيازات، إنما كانت موثّقة بالحبال مع ثُلّة من نساء الرسالة وأصحاب الامام الحسين، في موكب السبايا، ولكم أن تتخيلوا الحالة النفسية لامرأة بهذه الحال، مع قربها من رسول الله، ومكانتها من الإسلام، وهي تتسامى على الجراح وتخاطب اشخاصاً في الكوفة والشام عندهم قطع الرقاب بالسيف أهون من شربة ماء.
أمارات الندم التي ينقلها المؤرخون في الكوفة، مثل التعجّب، والبكاء، وتبادل الأسئلة عما جرى، لا تفيد أصحابها في تلك اللحظات بعد أن تلطخت أياديهم بدماء سبط رسول الله، وابنائه واصحابه، إنما الفائدة في الاجيال القادمة التي تستفيد من الدروس والعبر، وهو ما حصل عندما تحولت الكوفة فيما بعد الى منطلق الثوار على الأنظمة الفاسدة في الدولة الأموية والعباسية، وهذا بفضل كلمات السيدة زينب، ومعها الامام زين العابدين، عليهما السلام، التي حفرت أخدوداً في الضمير الانساني تنتقل آثاره من جيل الى آخر.
هذا ما كان في الكوفة، أما في الشام، عاصمة الدولة الأموية، فقد كان الدور الرسالي بشكل آخر، فقد انتزعت القناع الديني من وجه الحاكم الأموي، وكشفت للعالم حقيقة انحرافه وفساده، عندما بينت لمن في المجلس وللتأريخ أن من أسرهم جنودُ يزيد ليسوا من نتاج الغزوات والفتوحات، إنما هم صفوة المجتمع الإسلامي، ومن أهل بيت رسول الله، الذي نشر للعالم رسالة الرحمة والسلام والحرية، وقصة ذلك النصراني الذي كان ضيفاً على يزيد قادماً من بلاد الروم، معروفة للكثير، وكان يريد تملّك إحدى بنات الامام الحسين ظناً منه أنها من الإماء وأسرى الحرب من غير المسلمين، كما أشاع ذلك يزيد بين الناس، وعندما اكتشف زيف ادعاءات يزيد أعرب عن استنكاره الشديد فكان مصيره القتل فوراً.
لذا نقرأ في خطبة العقيلة في مجلس يزيد: “ولئن جرَّت عليّ الدواهي مخاطبتك”، و لو لم يكن موكب الأسرى قد أقحم في هذا المجلس، لما كانت للسيدة العقيلة أي خطاب لهذا الطاغية الفاسد، مما يؤكد لنا حكم الضرورات في أمر تدخّل المرأة في الشؤون السياسية، وفي مقدمة هذه الضرورات؛ إحقاق الحق، كما فعلت الصديقة الزهراء، في قضية المطالبة بحقها في أرض فدك، وفي إمامة وخلافة أمير المؤمنين، عليه السلام، وعندما جرى الحوار بينها وبين أمير المؤمنين، وسمعت كلمات التهدئة منه، عليه السلام، سكنت وسكتت عن المطالبة حتى مماتها، عليها السلام.
الدور التربوي للمرأة الزينبية
لمن تريد التمثّل بدور السيدة زينب، سلام الله عليها، في شخصيتها البطولية عليها قبل كل شيء التوقف مليّاً عند صفة الصبر على المصيبة، أولاً؛ ثم الصبر على ما يتفرع من المصيبة من مشاكل وتحديات ومنغّصات، وهو لا شك، ليس بالهيّن على الأنثى المعروفة بسرعة التأثر، ورقة المشاعر، واستعجال الأمور لتحقيق المُراد، وهو ما نلاحظه اليوم من تسابق على التألق والانجاز والنجاح.
نعم؛ ربما عامل السرعة يحقق للبعض ما تريد لفترة زمنية معينة في ظروف خاصة، بيد أن العبرة بالنتائج التي تكون مرهونة بالعامل الزماني والمكاني ايضاً، ما أن ينقضي ينتهي كل شيء، بيد أن الصبر وطول أناة ورباطة الجأش من شأنه صنع أجيال من جبال، وتأثير عميق في النفوس وفي الاحداث بما يخلده التأريخ، وإلا ما الذي يجعل أم حنون تدفع بابنها الى ساحة القتال والموت لنصرة الإمام الحسين، رغم أنها ترملت للتوّ، ويفترض بها الاحتفاظ بهذا الولد لما بقي من حياته، وهو ما نبّه الى الامام الحسين، في قصة ذلك الفتى الصغير؟ وما الذي شجّع امرأة شابة حديثة العهد بالزواج (عروس)، وكانت من الديانة المسيحية، تعبئ زوجها المسيحي معنوياً ليستبسل في الدفاع عن أهل بيت رسول الله؟ بل ما الذي شجّع سائر نساء الأصحاب، ومنهُنّ؛ دلهم، زوجة زهير بن القين، لأن يقبلن بفقدان رجالهن خلال لحظات، ويتحولْنَ الى مصير السبي مع معرفتهنّ بهذا المآل، طبعاً؛ ما عدا زوجة زهير التي انفصل عنها لتكون حرة طليقة وتعود الى أسرتها؟
من أهم عوامل خلود هذه النسوة؛ الصبر والتجلّد على المكاره والمصائب والضغوطات النفسية، وهو ما ينبغي أن تتحلى به المرأة الزينبية اليوم، وكل امرأة تتطلع الى النجاح الحقيقي في الحياة من خلال دورها التربوي في البيت والمدرسة، فبمقدار الصبر على النتائج يكون النجاح ذا قيمة عالية على صعيد تربية الأبناء وإدارة الأسرة، وفي مسيرة التعليم، وفي مجال نشر الثقافة والوعي في المجتمع.



