شهداء الطف وتفدية المعصوم لهم

من العبارات التي يُطلقها العرب مخاطبين بها الشخص الذي يعزُّ عليهم هو ما يكون مُفادُهُ ومؤدّاه الفداء أو التفدية والمُفاداة، وهي من المفردات التي تحمل بُعداً عاطفياً مع ذلك الشخص الذي يُخاطَب بها، كأن يُقال: فدتك نفسي، أو فديتُك بنفسي، أو جُعلت فداك، أو فداك أبي وأُمّي.
وقع خلاف بين فقهاء العامة في جواز تفدية الغير بالأبوين وعدمه، وقد ذكر بعضهم أقوالاً مختلفة في هذا المجال؛ حيث قال: ((وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ فيه مذاهب، أصحُّها: نعم، بلا كراهة. وثانيها: المنع، وذلك خاصٌّ به. وثالثها: يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم)).
وأمّا علماء الإمامية، فلم تأخذ المسألة بينهم حيّزاً من التعقيد، وإنّما ذكروا روايتين عن الإمام الكاظم عليه السلام تُبيِّنان لنا أنّ تفدية الأبوين إنّما تجوز فيما لو كانا مَيّتيَن فقط، وأمّا حال حياتهما، فإنّما يُعدّ ذلك عقوقاً لهما، وهو أمر محرّم في الشرع، فقد روى الصدوق في الفقيه: ((وسُئل أبو الحسن موسى بن جعفر: عن الرجل يقول لابنه أو لابنته: بأبي أنت وأُمّي، أو بأبَويَّ أنت. أترى بذلك بأساً؟ فقال: إن كان أبواه حيَّين فأرى ذلك عقوقاً، وإن كان قد ماتا فلا بأس)).
وممّا لم يتردد فيه أحد من علمائنا في المقام هو أن يُفتدى المعصوم من قِبَل غيره، بنفسه أو بأبويه؛ اعتماداً على ما جاء في النصوص الشرعيّة الكثيرة التي وردت فيها مخاطبة أصحاب الأئمة لهم عليهم السلام بهذه الصياغات، من دون أن ينكروا عليهم ذلك؛ وهو ما ينبئ عن إقرارهم لهذا الفعل، بل إنّهم عليهم السلام علَّموا أصحابهم زيارات خاصّة مُتضمِّنة لهذه الصياغات والعبارات، وأمروهم بقراءتها، كما في الزيارة الجامعة: ((بأبي أنتم وأُمّي ونفسي وأهلي ومالي، مَن أراد الله بدأ بكم… بأبي أنتم وأُمّي ونفسي وأهلي ومالي، ذِكركم في الذاكرين، بأبي أنتم وأُمّي ونفسي، كيف أصف حسن ثنائكم؟!))، وكذا ما ورد في زيارة جامعة أُخرى: ((بأبي أنتم وأُمّي يا آل المصطفى، إنّا لا نملك إلاَّ أن نطوف حول مشاهدكم))، أو في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام: ((بأبي أنت وأُمّي يا مولاي، يا أمير المؤمنين، يا حجّة الخصام، بأبي أنت وأُمّي يا باب المقام، أشهد أنّك حبيب الله وخاصّة الله وخالصته))، أو ما نقرأه في زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام: ((السلام عليك يا بن رسول الله، أتيتك بأبي أنت وأُمّي زائراً وافداً إليك))، وغيرها من الزيارات التي لا تكاد تخلو من هذه العبارات التي حثَّ أهلُ البيت عليهم السلام أتباعهم على مخاطبتهم بها حين زيارتهم لقبورهم عليهم السلام.



