النهضة الحسينية ودورها في تأصيل كرامة الإنسان

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..
كلما تتكرر الأيام ويتجدد شهر محرم الحرام من كل عام تتجدد الذكرى الأليمة لواقعة الطف وبالوقت عينِهِ يستحضر الذهن الأهداف النبيلة والمعاني السامية التي جسدها ابن بنت رسول الله عليه السلام في يوم العاشر من المحرم سنة 61 هجرية، والعجيب بالأمر ان هذه الذكرى تتجدد وكأنها وقعت البارحة والأهداف تتمثل أمام الجميع والقيم تغدو واقعاً حين تقرأ أو تسمع عن النهج الإنساني والإسلامي الأصيل الذي اتبعه الإمام الحسين عليه السلام.
كما أن العجب يزول حين نتذكر ان هذه الثورة الإنسانية ترفد الحقوق والحريات بمعناها الحقيقي وبتطبيقها الخالد على أرض الواقع لذا يحن إليها ليس المسلمون فقط بل كل ذوي الألباب، بل إنها تمثل الحقيقة في صورتها الناصعة، ولأن الهالة التي تحيط بقداسة الشخص والهدف عظيمة ودائمة التوهج فتكون السبيل إلى القلوب بلا حواجز يقول تعالى “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”، إنها ديمومة الأثر الذي أسبغ عليه نبي الرحمة بعضاً من ألطافه حين قال (حسين مني وأنا من حسين).
ومن نافلة القول ان الإنسانية مدينة لسيد الشهداء فهو يمثل الوجدان الأصيل لها والمحتوى العملي لمعناها، والتطبيق الحرفي لمعنى احترام وتقديس الكرامة الإنسانية، كما أنه أيقظ جذوة الاحترام في النفوس واستنهض الهمم وكان المقدمة لكل الثورات والانتفاضات الرافضة للظلم والاستكبار إذ حرص عليه السلام ان يسقي شجرة الحرية وينعش نسائم الكرامة الإنسانية، التي تهب على ذوي النهى كل يوم ليقتبسوا من نوره الهداية وعلو الهمة في أصعب الظروف وأحلك المصاعب والهموم، فكيف لا ينحني لقدسية الهدف وسمة الوسيلة كلُ حُرٍّ وشريف في العالم، نعم لقد غرس الحسين عليه السلام في قلوب الأحرار رفضَ الظلم والطغيان ونصرةَ الحق والمظلوم في كل مكان.
كان دور الإمام الحسين ملهماً للأمة الإسلامية لتستحضر تأريخها المجيد في رفض الباطل وإنْ تجلببَ بجلباب الدين أو المصلحة وجمع من حوله وعاضاً همُّهُمُ الدنيا وإشباع غرائزهم الدنيوية وأنهى أسطورة انتظار الخلاص بالطرق الغيبية، وقاد من معه إلى معركة ظاهرها عدم التكافؤ في العدة والعدد وباطنها رجحان كفة القيم السماوية والإنسانية على تلك الأطماع الدنيوية والغايات الشخصية حيث يقول عليه السلام “مَنْ رأى سلطانًا جائرًا، مستحلًّا لحُرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يُغيِّر بقول ولا فعل، كان حقيقًا على الله أن يدخله مدخله” والسبب الرئيس في قول الإمام (عليه السلام) المتقدم لما وصلت إليه حالة الأمة في زمانه من شلل مدقع للعقول وغلبة للهوى وموت الضمائر الحرة، فصارت الرذائل التي يمارسها حكام بنو أمية وكأنها أمر طبيعي وحالة صحية للدين ودنيا الناس، إذ أبكمت الألسن وخيطت الأفواه وانهدمت الإرادة وضيعت الشهادة في سبيل الله واقتلعت معطيات الرسالة المحمدية القائمة على حفظ الكرامة الإنسانية، إذ يقول تعالى “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”.
ومما لا شك فيه ان تحريك الضمائر واستنهاض الهمم وبث الروح في الأمة مهمة ليست باليسيرة لذا قال الحسين عليه السلام مخاطباً بعض من صادفه في الطريق إلى كربلاء “أما إنّ الدنيا قد أدبرت وتنكّرت وتغيّرت وانشمرت، حتّى لم يبقَ منها إلا صُبابةٌ كصبابة الإناء، وإلا خسيسُ عيْشٍ كالمرعى الوبيل، ألا تروْن الحقّ لا يُتآمر به، والمنكر لا يُتناهى عنه، أما إنّي لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا بَرَما”.
إذ كان يعلم أنه الوحيد القادر على المبادرة لذا عمد إلى اصطحاب أهل بيته وخاصة أصحابه والخلص منهم إلى كربلاء فكان الأطفال والفتيان والكهول كل منهم كالكوكب والنجوم تمشي على الأرض يسري في عروقهم دماء النبوة وشرف الانتساب إلى الإسلام المحمدي الأصيل والإيمان الصادق بالحسين وبالقضية التي يحملها، ولذا غدوا يتسابقون إلى المنية غير آبهين بالموت أو السيوف التي تواجههم فكأنهم أبصروا الجنان وقد فتحت أبوابها واشتاق خزنتها إليهم ظهيرة يوم العاشر من المحرم، لذا قد يتساءل سائل عن السر وراء خلود الطف والحسين عليه السلام وما السر وراء التمسك الكبير للإنسانية به نقول ان ذلك من رد الجميل إلى من أحيا القيم وأمات الفتن وأغلق أفواه السذج وبلا شك ولا ريب كل ما تقدم يعود للعديد من العوامل الأساسية بتقديري أهمها:
البعد الغيبي: إذ ارتبط الإمام الحسين عليه السلام بالله بشكل عجيب وانقطع إليه بشكل كامل حيث يقول في بعض مصارع أطفاله ومحبيه بعد ان قدمهم كالقرابين واحداً تلو الآخر “اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى” وليس بغريب على الإمام الحسين هذا المعنى والانقطاع التام إلى الله تعالى حيث يصفه أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو (جابر أبن عبد الله الأنصاري) رضي الله عنه في زيارته لقبره الشريف “أشهد أنك ابن النبيين وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء، ومالك لا تكون هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام، فطبت حيا وطبت ميتا”.
البعد الإنساني: الذي جسده الحسين عليه السلام وتفاعل مع أجوائه وظهر واضحاً في سلوكه وكلامه منذ بدأ رحلة الشهادة وصولاً إلى يوم العاشر من المحرم الحرام فحين التقى بالحر بن يزيد الرياحي ومن معه من الجيش قام بسقيهم الماء رغم أنهم قدموا إلى حربه وأمر من معه ان يرشفوا حتى الخيول ثم، يقول عليه السلام لهؤلاء وهو في موطن النصيحة لهم: ((ألا وإن هؤلاء لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله))، واستحضر الإمام الحسين عليه السلام الظلم والجور الذي كرسه الحكم الأموي إزاء المسلمين وما ساد من حرمان واستضعاف أدى إلى نتائج كارثية على الجميع.
التخطيط الشامل للثورة الحسينية: وفق رؤية راسخة وعلم مسبق بالنتائج والآثار إذ هدفَ الحسينُ عليه السلام إلى تعرية الحكم الأموي من مقومات المشروعية الدينية والأخلاقية والقانونية وكشف حقيقة هؤلاء بأنهم يطلبون الحكم والدنيا، وبدا واضحاً ما تقدم في خطب السيدة زينب والإمام السجاد عليهما السلام في الكوفة والشام، ما ساهم في رفع الوعي العام لدى الأمة وافتضح أمر الطغمة الحاكمة وما هي عليه من ضلال وإضلال، فلو أنه أخذ برأي الناصحين بالجلوس في بيته وعدم التوجه إلى العراق لأعطى سكوته عن نظام الحكم صفة المشروعية، ولو لم يصطحب أهل بيته لم يعرف العالم وحشية أعدائه ومدى الحقد الدفين في ضمائرهم للدين وأهله، لذا قيل وبحق ان كربلاء الإمام الحسين تمثل انتصار الدم على السيف والكلمة الحقة على السلطة الجائرة، وحاز صفة الخلود على مر الليالي والأيام.
أما أعداؤه فقد انتقلوا إلى الجهة الأخرى المظلمة من التأريخ ناكسي رؤوسهم قد حازوا الخزي والندامة، ويغدو لنا واضحاً ان الإمام الحسين كان عالماً بهذه النتيجة مقدماً إذ قال فيما قاله في رحلته إلى كربلاء ((إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين)).
نستلهم من مقولات الإمام الحسين (عليه السلام) التركيز على أمرين أساسيين أولهما مخافة الله تعالى في كل شيء والثاني مراعاة حقوق العباد والبلاد وكلا المفهومين المتقدمين متكاملان فلا خير في عبادة كالصلاة أو الصيام إذا لم يقلع صاحبها عن المحرمات ويكون الناس منه في مأمن إذ يقول تعالى: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ على حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”.



