اراء

العلاقات “السورية – التركية” قراءة في سياسات انقرة نحو اللاجئين السوريين

بقلم: أيهم الطه..
شهدت تركيا خلال الأيام القليلة الماضية تصعيدا شعبي على جبهتين بشكل شبه متزامن: التصعيد الأول حدث شمال سورية في مناطق سيطرة الفصائل التابعة لتركيا نتيجة احتجاجات قام بها ناشطون ضد أجواء ايجابية بين انقرة- دمشق وخاصة بعد تصريحات ودية من الرئيس التركي تجاه نظيره السوري.
بالتوازي شهد الداخل التركي احتجاجات شعبية ترافقت مع تحركات عنصرية وهجمات ضد اللاجئين السوريين نتج عنها خسائر مادية وضحايا سوريين, بعيدا عن السبب الآني المباشر للاحتجاجات إلا أن هذه الاحتجاجات والتحركات العنصرية ضد السوريين في مناطق مختلفة من تركيا تكاد تكون شبه مستمرة منذ سنوات لكن وتيرتها ترتفع وتزداد حدتها مع أي احتكاك سلبي بين الطرفين او مع كل استحقاق انتخابي تركي نظرا لما يشكله الوجود السوري في تركيا من أهمية أوصلته ليكون ركن أساسي في برامج معظم الأحزاب التركية، ومحور رئيس في كل حوار تركي داخلي مجتمعي أو سياسي أو إقتصادي حتى وصف وجود حوالي 4 مليون لاجئ سوري داخل تركيا بأنه أحد هموم المواطن التركي وأحد محددات سياسته الداخلية وخططه المستقبلية.
أنقرة التي طالما حاولت استثمار ملف اللاجئين أدركت تغير التوجهات السياسية العالمية في المنطقة واختلاف موازين القوى الحالي، وما كان أوراق لعب قوية في يدها خلال العقد الماضي تحول الى اثقال صعبة الحمل حاليا فلا الداخل التركي قابل وقادر على هضم الضيوف ولا الخارج بات يقدم المغريات القديمة ذاتها التي قدمها قبل عشر سنوات.
الصيف الساخن الذي تشهده شوارع المدن التركية زاد في حرارته أوضاع اقتصادية متدهورة منذ عدة سنوات في تركيا تمثلت بتراجع الاستثمارات، وعجز في الميزانية يتجاوز 100 مليار دولار وتضخم متزايد بلغ حوالي 61% وارتفاع مستمر في أسعار المواد والسلع الأساسية وتكاليف الطاقة فضلا عن استمرار تدهور العملة التركية رغم أنخفاض وتيرته عن السنوات السابقة .
ايضا معاناة المواطن التركي من أجور غير كافية وتخوفه من أزمات قادمة كل ذلك انعكس سلبا على الأتراك وعلاقتهم بضيوفهم (اللاجئين السوريين) حتى بات طيف واسع من الاتراك يرفض الوجود السوري ويرى فيه منافسا له على الموارد والعمل وسبب في انخفاض سقف رفاهيته وتدني الأجور في سوق العمل ومسبب لارتفاع تكاليف وأسعار السكن في (البيع – الايجار).
كل ذلك وسع من حالة رفض أستمرار الوجود السوري في تركيا ودفع بشرائح واسعة من الشعب التركي للمطالبة بعودة السوريين الى بلادهم .
رغم المحاولات والجهود الحثيثة التي قام بها حزب العدالة والتنمية لدمج اللاجئين في المجتمع وتوطين قبولهم لدى الأتراك وأنشاء برامج متخصصة لذلك وفرض عقوبات قانونية على من يحرض ضدهم وبث برامج توعية إيجابية حول اللاجئين الا أن ذلك لم يوقف الحملات المستمرة ضد الوجود السوري في تركيا والتي تتضمن خطاب كراهية وتحريض وتتخذ شكل عنصري وغالبا ما تؤدي الى شكل عنفي وينتج عنها خسائر مادية وبشرية لكن هذا الخطاب الرافض للوجود السوري في تركيا أصبح أحد أدوات الحرب الاساسية في مواجهة حزب العدالة الذي وجد نفسه يخسر جزء أساسي من قاعدته الشعبية بعد أن كان يتربع لأكثر من عقدين وبشكل شبه مطلق على عرش السياسة التركية ويحضى بتأييد الغالبية الشعبية وهذا ما ظهر جليا في الانتخابات البلدية الأخيرة التي عرف فيها حزب العدالة و زعيمه أوسع هزيمة له منذ 2002 ما دعا أردوغان الى تسريع خطواته في المصالحة مع جواره في استكمال لسياسة تجاه سوريا واللاجئين والتي ربما بدأت منذ عام 2016 لكن صدمة الانتخابات البلدية في 2024 أعطتها دفعة جديدة.
الرئيس التركي الذي وقف وطوال 13 عام مهاجما نظيره السوري ورفض الاعتراف به و دعا الى محاربته واستضاف الغرف العسكرية ضده وقاد التجييش السياسي والإعلامي ضده انقلب على نفسه وتراجع عن مواقفه السابقة راغبا بإستعادة العلاقات السياسية والعائلية بينهما ليس مراجعة للنفس وحنين الى الماضي ولا شغف بروابط الاخوة والعائلة ولكن خضوعا لواقع فرض نفسه وإقرار بفشل مشروع كامل كان يهدف لإعادة رسم خرائط المنطقة ولم يبقى من المشروع القديم سوى نتائج سلبية تحصد تركيا نتائجها على مضض وستتحمل مرارتها لسنوات طويلة قادمة .
وبعد ان شهدنا العمل الدولي الحثيث لتحريك كتل بشرية في سورية ومنها منذ 2012 بهدف إفراغ مناطق معينة والعمل على تحويل هذه المجموعات البشرية الى أوراق ضغط على دمشق اليوم نرى حاجة إلى تحريك عكسي لتلك المجموعات البشرية و بأساليب أخرى.
الكتلة السكانية السورية التي تناثرت في دول الجوار وتحولت الى تجمعات كبيرة تشكل هواجس أمنية وديمغرافية وتثير حساسيات دينية وقومية وتحفز قلق اجتماعي ليشكل كل ذلك أوراق ضغط داخلية على الدول التي تستضيف اللاجئين السوريين .

والنتيجة اليوم أن المشروع الذي كان ينفذ في سورية ونواة لتنفيذ مشاريع فرعية في جوارها ثبت فشله واليوم تلح الحاجة إلى التخلص حسب الممكن من تبعاته وآثاره التي ستحتاج إلى عقود لمعالجتها .
نحن أمام مجموعات بشرية كبيرة نسبيا تم العبث فيها اجتماعيا وسياسيا ونفسيا وفكريا ودينيا وتم دفعها الى تغيير مناطقها الاصلية والهجرة إلى مناطق أخرى لتحقيق غايات معينة وأهداف محددة ولكن بعد مرور فترة من الزمن لم تتحقق تلك الغايات ولا تلك الأهداف و النتيجة كانت تراكم مشاكل و آثار سلبية .
وما كانوا يتخيلونه في غرف التخطيط ضد سوريا ربحا ونتائج إيجابية تحول إلى عبء ومشاكل معقدة .
السلطة التركية التي كانت تريد من تلك المجموعات البشرية ان تكون حاضنة للسياسة التركية واداة ضغط في يدها ووسيلة لتمدد وتوسيع النفوذ التركي من خلالها في حالة حنين ونوستالجيا الى ايام ومجد السلطنة العثمانية.
تلك الكتل البشرية والمجموعات السكانية كانت يجب أن تشكل بولائها وتحركها أورق ضغط على النظام السوري وصولا الى اسقاطه والصلاة الموعودة في مسجد بني امية في دمشق، ايضا كان لابد من الاستفادة من تلك المجموعات او جزء منها فبعضها يمتلك طاقات وخبرات وممكن ان تشكل فرص لدفع اقتصادي التركي وأدوات بشريه للعمل وتحريك التنمية التركية في تقليد لصورة قديمة كان يستحضر فيها خيرة الصناع والعمال من أنحاء السلطنة العثمانية الى العاصمة للعمل فيها والاستفادة منهم .
كما أن المجموعات البشرية السورية التي تحركت نحو الحدود او الداخل التركي هي ذات انتماء عرقي وقومي محدد (عربي سني) وبالتالي كان جزء من السردية هو تعميق الانقسام المذهبي والطائفي في سورية وربما كان احد الاهداف من تحريك هذه المجموعات هو زيادة عدد (قومية وعرقية ومذهبية) معينة وتحقيق حزام عربي أمام الوجود الكردي سواء على الحدود مع تركيا او في الداخل التركي وربما تم تحقيق جزء من هذا الهدف عبر إنهاء بعض المراكز الكردية التي كانت موجودة على الشريط الحدودي او زيادة عدد العرب السنة الموجودين في بعض المدن التركية .
عودة هذه المجموعات ليست سهلة وتحتاج الى وقت طويل يستمر لسنوات وربما عقود ومن المؤكد أنها لن تعود كلها فجزء منها سيرغب في الاستيطان في تركيا وهناك من حصل على الجنسية التركية بالفعل .
بالتالي إن إعادة تحريك تلك المجموعات البشرية من جديد بشكل متسرع او عشوائي سيخلق مشاكل جديدة، ولن يعيدها الى وضعها السابق وتأمين وضع جديد لها ايضا يحتاج الى تهيئة شروط مناسبة وظروف مساعدة وبيئة قابلة على الاستيعاب وقادرة عليه وعلى حل مشاكله.
كما يحتاج الى تقديم ضمانات بالامن والسلام لازالة المخاوف والشكوك لدى الناس وتقديم خارطة طريق ورؤية سورية تركية وضحة مع جدول زمني محدد اضافة الى خطابات تطمين من قيادة الدولتين ومن أطراف النزاع ومن مراقبين.
وربما بإعلان اتفاقيات رسمية بين البلدين لتنظيم التنقل وتلبية حاجات سوق العمل وفرصه بشكل قانوني.
لابد أيضا من فتح كامل الجغرافيا السورية لاستيعاب ذلك لأن دفع الناس او تلك الكتل البشرية باعدادها الضخمة الى مناطق محددة كشمال السوري او شرق الفرات هو امر غير ممكن عمليا وتواجه الكثير من الصعوبات أيضا فتح أبواب العودة لتلك المجموعات وتركها تقوم بذلك بشكل عشوائي الى كل المناطق هو أمر غير ممكن وبالتالي يحتاج الأمر الى جميع الجغرافيا السورية وتنسيق جميع الأطراف وتأهيل المناطق وتسريع إعادة إعمارها وتخفيف القيود التي تمنع ذلك وايضا توفير الإمكانات الاقتصادية الضرورية وخلق فرص العمل والعمل على إنشاء بيئة أمنة ومستدامة ومستقرة جاذبة وغير طاردة .
لإعادة استيعاب جزء من تلك المجموعات اذ بالتأكيد لن ترجع كل تلك المجموعات سيبقى جزء منها و يحاول البعض إيجاد مكان ثالث .
تركت السياسة التركية خلال العقد الماضي أثر على جميع السكان في كلا البلدين (سوريا – تركيا) ولهذا فإن أعادة تحريك الكتل البشرية على رقعة الشطرنج ايضا سيؤثر على جميع السكان الحاليين في كلا البلدين .
والحديث هنا عن أربع مناطق لابد أن تتأثر بسبب عمليات الطرد والجذب السكاني في اي تغير او تحرك لوجود اللاجئين السوريين.
في مقدمتها تركيا التي ستكسب رضى شعبي وتتخلص من عبء اجتماعي وأمني واقتصادي لكن ستكون معرضة لهزات وتراجع في اقتصادها وانتكاسة في أسواقها ونقص في اليد العاملة حوالي 3,5مليون لاجئ سوري مقيم في تركيا حسب دائرة الهجرة التركية أيضا ستتاثر مناطق داخل سوريا سواء في مناطق المعارضة في الشمال أو مناطق سيطرة قسد شرق الفرات أو المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها دمشق اذ ان جميع هذه المناطق غير مستعدة او مهيئة لاستقبال اعداد كبيرة من اللاجئين نظرا إلى نقص الخدمات الأساسية وسوء البنية التحتية وعدم القدرة على توفير الحاجات الاساسية للقادمين فضلا عن نقص فرص العمل وانخفاض مستوى المعيشة والأجور .

حسب دراسة لمركز جسور المعارض في 2021 يعيش حوالي 3مليون سوري يعيشون مناطق المعارضة قسم منهم في مخيمات قرب الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا وحوالي 3 مليون سوري يعيشون في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية قسد شرق الفرات فضلا عن تأثر حوالي 9,4مليون مواطن سوري يقيمون في مناطق سيطرة دمشق مع ملاحظة أن أغلب سكان سوريا اليوم وفي مختلف المناطق يعيشون تحت خط الفقر بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
أجواء ملتهبة تفرضها متغيرات كثيرة ومرحلة جديدة من شواهدها فتح معبر ابو الزنداين بين مناطق سيطرة دمشق ومناطق سيطرة أنقرة في شمال سورية في تطور مهم نتج عن مباحثات سورية- تركية جرت في قاعدة حميمهم ويتوقع أن يتم استكمالها في بغداد أو موسكو تطور غير محسوب حرك المياه الراكدة في المنطقة ورفع الأمال بتغير الأوضاع والذي من الطبيعي أن يأتي مترافق مع صخب يعلو أحيانا وينخفض أحيان أخرى لكن الجميع يعرف أن التغيير الكلي للأوضاع الحالية سيحتاج إلى وقت طويل ويحتاج إلى تمهيد يسبقه حتى يكون مقبول اجتماعيا وله حاضنة تساهم في تشكيل التوجه السياسي الجمعي فالتغيير في الموقف الشعبي ليس بهذه المرونة و يحتاج الى سنوات .
لا بد أن أنقرة كانت تضع في حسابها مثل هذه الاحتجاجات نظرا لأنها تعي جيدا حساسية تحريك الملفات السياسية الحالية (خاصة أنها تمس كتل بشرية كبيرة) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى