اخر الأخبار

الصحوة الإسلامية في وصية الإمام الخميني “قدس سره”

نهمهعهع

قبل اكثر من 27 عاماً توقف قلب إمام عظيم شغل العالم بثورته،لكن أفكاره ونوره الوضاء ونهضته الخلاقة لم تتوقف بل استمرت على يد خليفته الإمام الخامنئي(دام ظله), ولأننا نعيش ذكرى رحيله نريد أن نسلط الضوء اليوم على  قبسات من وصيته (قدس سره), وتلك الوصية التي حملتها الأجيال في وجدانها وعقولها تتناقلها فيما بينها باحثة عن سر مستور أو معنى لكلمة تنتظر زمنها المناسب لأن ما قاله الإمام الخميني(قدس سره) لم يكن لحقبة زمنية محددة أو لفئة معينة أو لشعب واحد بل ان رسالته التي ضحى من أجلها جعلها مدرسة عالمية تنير طريق من يهتدي إليها، فكان ذلك الإمام القارئ بين سطور التاريخ والمتنبّه برؤيته الى المستقبل, فكان أن سارع إلى أن يوصي البشرية بوصايا تخترق الزمان والمكان فتصير مرجعاً يستعان به في اية حقبة قادمة, دوّنها بحبر مقدس وأنامل شريفة،وصية خالدة نشرت بعد ان استرد رب الجلالة أمانته. الوضع الإسلامي والثورة
كان الوضع الإسلامي يعيش حالاً من الركود في حركيته , والفكر غارق في الكثير من الهوامش والتفاصيل التي تأكل حيويته،لأن المسألة كانت تتحرك في ذهنية التراث لا في ذهنية الحركة وكانت مسألة مواجهته لمشاكل الحياة على مستوى الواقع غارقةً في الضباب الذهني الذي فرضته الأفكار الجدلية التي لا تنفتح على آفاق النور في موقع،إلاَّ لتحاصرها الظلمة في موقعٍ آخر,وهذا ما جعل بعضهم يطرح الإسلام في دائرة العبادات والأخلاقيات العامة والتشريعات الفردية بعيداً عن مسائل الحياة العامة في نطاق المسؤوليات السياسية والجهادية،كما جعل بعض آخر يطرح تجميد الإسلام في حركيته مع اعترافه بشموليته انتظاراً لآخر الزمان،لأن الظروف الحاضرة تمنع شرعيته،ويرى فريق ثالث أن مسألة الحديث عن الإسلام الشمولي قد تجاوزها الزمن،لأن المراحل الزمنية التي قطعها الإنسان ربطته بأوضاع جديدةٍ لم يواجهها الإسلام في مرحلة نشوئه وحركته السابقة,وهذا ما يفرض عليه أن يتخلى عن دوره للأفكار الجديدة التي تتسع لمشاكل الإنسان الجديدة،ليكون الإسلام مصدر إلهام في أفكاره وقيمه العامة،بدلاً من أن يكون مصدراً للعقيدة بتفاصيلها أو للشريعة بشموليتها،ويقف إلى جانب ذلك فكرٌ إسلامي يعمل على الهروب من الغيب,وقد انطلق مع هذا الفكر التوفيقي فكر حركيٌّ على أنقاض الفكر المتخلف الذي يُبعد الإسلام عن الحياة وفي مواجهة الصدمة الكبيرة التي انسحب فيها الإسلام من مواقع الحكم والتشريع من خلال الهجمة الشرسة على الإسلام في قواعده السياسية التي قادها الاستكبار العالمي الغربي القائم على الكفر والانحراف، لتقود المسلمين إلى الفكر المتحرك في النطاق الوطني أو القومي، بعيداً عن النطاق الإسلامي, ثم جاءت الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني (قدس سره)، واستطاعت أن تتفاعل مع محيطها الواسع بهدفها المرحلي،وهو إسقاط الحكم الامبراطوري الذي كان يمثل الواجهة العريضة للسيطرة الاستكبارية الأمريكية في إيران، ويتحرك من أجل إضعاف الروح الإسلامية لحساب الروح الكافرة المرتبطة بالتاريخ القديم المنفتح على المجوسية والزرداشتية وغيرها,وبالنسبة الى هدفها الاستراتيجي بدأ أوج الصحوة الاسلامية بالظهور بعد ان أرسى الامام الخميني(قدس سره) فكرا وأسلوبا جديدين للحكم جمع فيهما الديمقراطية والانفتاح والشريعة الاسلامية فاظهر نموذجا حضاريا للحكم تجلى في النظام الثوري الذي قاده الإمام في ايران وكان له انعكاساته في كامل اقطار العالم الاسلامي حيث كانت الصدمة الايجابية تفعل فعلها ضمن المجموعات والأفراد من دون الحكومات التي نأت بنفسها عن التأثر بها لتعارضها مع مصالحها المتناسبة مع الدكتاتورية من أجل جمع الثروات. فقاد الإمام بثورته شعباً بل وأمة برغم تنكل كل القوى العظمى له ولثورته المباركة لمعرفتها بخطورة النهج الإسلامي على مصالحها،فلم تمل الثورة شرقاً ولا غرباً بل كانت إسلامية بكل ما تحمل الكلمة من معنى وهكذا ومنذ سنة 1979 وحتى وفاة الإمام سنة 1989 وضع الإمام اللبنات الأساس لبناء دولة إسلامية بل وعلا في بنيانها لكن الزمن لم يسعفه كي يراها متكاملة كما هي عليه اليوم وقلعة لحماية المسلمين بل والناس من قوى الاستكبار والظلام على يد الإمام الخامنئي (دام ظله),ولولا ما فعله (قدس سره) لم نجد اليوم وفي خضم هذه الحرب الشعواء على الإسلام عموماً ،ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) من يحمي الإسلام والمسلمين وأتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من الإرهاب والتكفير وقوى الاستكبار.
وصية الإمام “قدس سره”
قام الامام الخميني (قدس سره) بكتابة وصيته الخالدة ايمانًا منه باستمرارية نهجه وفكره لقناعته بجدارة الرجال الذين وقفوا الى جانبه وتأكده من وصول الرسالة جيدا الى قلوب وعقول الشبان فكانت الأساس الأهم لأسس الصحوة الإسلامية وإعادة ترتيب للفكر الاسلامي على النهج المحمدي الاصيل مطلقًا الصحوة الانسانية عبر الاسلام ورسالته, ففي بداية الوصية يبدأ(قدس سره) بحديث الثقلين عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ليرسم المبدأ الأساس للصحوة الاسلامية وهو الاعتماد على الرسالة الإسلامية التي يدسترها القرآن الكريم ويقوننها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) عبر السنة الشريفة وتعاليم أهل بيت النبوة(عليهم السلام) ومن هنا كانت البداية عبر حديث الثقلين وعدّه حجة على البشرية,وبعد ان لخص الامام(قدس سره) المساوئ التي قام بها البشر وخصوصا الحكام منهم في المقطع المعنون “عباد الأنا والطواغيت استغلوا القرآن الكريم” بدأ بتعداد وشرح أسس الصحوة الإسلامية التي تعتمد على ركائز عدة هي:
الركيزة الأولى
القرآن دستور للبشرية، وقد عرفه الإمام: بـ”الذي تنزّل من مقام الأحدية الشامخ الى الكشف التامّ المحمدي(ص) لإرشاد العالمين ونقطة لجمع كل المسلمين،بل للعائلة البشرية ليوصلها إلى حيث يجب أن تصل ويحرر وليدة علم الاسماء هذه من شر الشياطين والطواغيت، ويحقق القسط والعدل في العالم ويسلم الحكومة بأيدي أولياء الله المعصومين عليهم صلوات الأولين والآخرين ليسلموها لمن فيه صلاح البشرية”, وقد دعا الى اعتماده دستوراً بشرياً ينظم الحياة على جميع الصعد بعد أن تم تحييده وتغييبه عن الساحة,وبذلك تكون الخطوة الأولى للصحوة الإسلامية في العودة الى القرآن وتعاليمه.
ثم يؤكد الإمام(قدس سره) قضية أساس وهي تحييد القرآن على يد الطواغيت ومعممي الاستكبار فيقول:هذا القرآن تم تحييده وتغييبه عن الساحة كما لو لم يكن تدخلا في الهداية..وبلغ الامر حداً على ايدي الحكومات الجائرة وخبثاء المعممين الذين هم اسوأ من اتباع الطاغوت اصبح القرآن معه وسيلة لإقامة الجور والفساد وتبرير (ظلم) الظالمين والمعاندين للحق تعالى.والمؤسف أن القرآن الكريم وهو الكتاب الصانع للمصير – لم يكن له وإلى الآن على أيدي الأعداء المتآمرين والأصدقاء الجهلة أي وظيفة إلا في المقابر وفي مجالس الأموات,فالكتاب الذي يجب ان يكون وسيلة لجمع المسلمين والبشرية،وكتاب حياتهم أصبح وسيلة تفرقة واختلاف أو إنه هجر كليا.
الركيزة الثانية
فخره بأئمتنا المعصومين (عليهم السلام): بعد القرآن كانت دعوة الإمام الى الفخر بالأئمة المعصومين ملجأ المؤمنين للتخلص من عذاب القبر واللجوء اليهم للشفاعة يوم الحساب فكانت الدعوة الى الفخر بمثابة إرشاد المؤمن للتمثل بالأئمة(ع) وأفكارهم للسير بالصحوة الاسلامية وفاق كتاب “نهج البلاغة” للإمام علي(ع) والذي عدّه “اعظم دستور للحياة المادية والمعنوية بعد القرآن واسمى كتاب لتحرير البشر،وتعاليمه المعنوية والحكومية وأرقى نهج للنجاة”.
الركيزة الثالثة
فخره بالنساء الزينبيات، كما اعطى الإمام(قدس سره) حيزا مهما للنساء في عملية الصحوة الاسلامية اذ دعا ايضا للفخر بالنساء الزينبيات ويكون بهذه التسمية قد دعا نساء الإسلام الى التمثل بالسيدة زينب(عليها السلام) التي يشهد التاريخ والعالم بدورها العظيم في نشر واستمرار الاسلام وبأن يكنّ في الميادين الثقافية والاقتصادية والعسكرية جنبا الى جنب مع الرجال.
الركيزة الرابعة
فخره بعدائنا لأمريكا الإرهابية، بعد ان حدد الدستور والنهج الأساس للتمثل به في مسيرة الصحوة حدد الإمام العدو لتكون بوصلة الهجوم سليمة لا تشوبها التباسات تقود المسلمين الى الأخطاء فدعا الى الفخر بالعداء للاستكبار العالمي المتمثل بأمريكا وحليفتها الصهيونية العالمية اللتين تشوهان وتحقران الإنسانية مقابل اهدافهما الدنيوية الدنيئة من رئاسات وسيطرات اقتصادية. وما نراه اليوم من تحالفهما مع أتباعهما الذيليين في المنطقة من أعراب الخليج أو تركيا أو الأردن وغيرهم من الدول إلا دليل على عمق نظرة الإمام(قدس سره) الذي كان يعرف ومنذ البداية أن أمريكا لا يمكن أن تأتي بخير لشعب من الشعوب وأن مقياس صوابنا وخطئنا يعتمد على مدى عدائنا لها,وكذلك كانت دعوة الإمام للشعوب المظلومة والشعب الإيراني للإحياء الدائم لصلاة الجمعة – مظهر البعد السياسي للإسلام- ومراسم عاشوراء – صرخة الحق القوية في وجه الباطل والظالم.
بعد ان تكلم الإمام بالعام وحدد المبادئ الأساس لتنظيم الحياة الإسلامية التي شكلت مبادئ الصحوة الاسلامية والركائز التي يجب ان تعتمد في بناء أو اعادة تنظيم الامة الاسلامية الصاحية من كسل وركود العصور الفاسدة السابقة، تطرق الامام الى المسائل التفصيلية والإرشادات التطبيقية لتنفيذ ما أوصى به هي:
• عدّ “الثورة الاسلامية هدية غيبية من اللّه تعالى” مع ما يحمله هذا العنوان من وصية أساس وهي حفظ الثورة وانجازاتها ومتابعة مسيرتها لأنها هدية من الباري “عز وجل”.
• اعتماد “الحكومة الإسلامية وسعادة الدارين” المبدأ الأساس في الحكم على ان تطبق هذه الحكومة الشريعة الاسلامية بجميع تجلياتها التي تسعد المسلم وتؤمن له حقوقه وتسهل حياته.
• الايمان القوي بـ”الدافع الإلهي ووحدة الكلمة” لأنهما سرّ النصر والطريقة الاقوى للنجاح.
• التنبه لـ”مؤامرة القرن الكبرى” التي تستهدف الاسلام وتحاول تشويه صورته وتخفيض قيمته عبر العمر الزمني الذي مر عليه موضحاً الأهمية الإلهية المباركة للدستور وكيفية تعامله مع الأحداث الجديدة.
• التنبه لـ”خطر الشائعات والنقد الهدام” اللذين يهدفان الى الفتنة وحبك المؤامرات التي تستهدف وحدة الصف وتسعى الى الاقتتال بين المسلمين عبر اختلاق الاخبار الكاذبة أو تحوير الصحيح منها لتزرع الشك والريبة عند بعض أصحاب النفوس الضعيفة.
• التوجه بـ”نصيحة مشفقة للمعارضين” بان يفكروا بحرية وحياد في دعايات اولئك الذين يريدون ان تسقط الجمهورية الاسلامية،وخير تجل لهذا الأمر الرسالة التي أرسلها الإمام الخامنئي (دام ظله) لشباب أوربا.
• الى “الشعوب” ان يحفظوا انجازات الثورة الإسلامية الايرانية،واعتمادها قدوة لهم في الدول المبتلاة بالحكومات الفاسدة الأسيرة للقوى الكبرى.
وبعد ان توجه الإمام(قدس سره) بمخاطبته وتوصيته للشعوب الإسلامية كافة انتقل الى الشعب الإيراني وأوصاه تحديداً بالحفاظ على الانجازات والتنبه للمخاطر التي فصلها تفصيلاً دقيقًا.
ان الصحوة الاسلامية هي ضرورة في كل زمن وفي كل وقت ممكن ويجب ان تستمر الأجيال والشعوب في عقد مؤتمراتها والتواصل الدائم مع المسلمين كافة في أقطار العالم ليصلوا الى وعي وصحوة شاملين يوصلون الامة الاسلامية الى بر الامان ويبعدونها عن الاقتتال والتمذهب وراء العصبية والتشدد اللتين تولدان تشدداً وعصبية مقابلين لتكون النتيجة عنفاً وعنفاً مضاداً فانهيار للأمة وأهدافها وسيطرة الآخرين عليها وعلى مقدراتها. ولعل الأسس والمبادئ التي ارساها الإمام الخميني(قدس سره) في وصيته الخالدة خير مرجع يستعان به ويؤسس عليه لاستكمال المسيرة,وأجمل ما انهى به (قدس سره) وصيته،ما توجه به الى مستضعفي العالم بقول لا يعوزه الشرح:”يجب ألا تجلسوا بانتظار أن يأتي حكام بلدكم،ومن يعنيهم الأمر أو القوى الأجنبية ويجلبوا الاستقلال والحرية هدية لكم”.
نحن وانتم شاهدنا على الأقل في هذه مئة السنة الأخيرة التي دخلت فيها أقدام القوى العالمية الكبرى بالتدريج الى جميع البلاد الإسلامية وسائر البلاد الصغيرة,وشاهدنا وشاهدتم أو حدثتنا به التواريخ الصحيحة أن أياً من الدول الحاكمة في هذه البلاد،لم تكن وليست تفكر بحرية شعوبها واستقلالها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى