اخر الأخباراوراق المراقب

الغدير ما بعد العاصفة

محمد علي جواد تقي..

ما كان يخسره أبو بكر وعمر بن الخطاب لو التزما بيعتهما يوم الغدير لأمير المؤمنين؟، ورضيا به خليفة من بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهما يعلمان علم اليقين أنه أفضل منهما في كل شيء! ربما كانت الأمة تجتمع على تنصيبهما للخلافة بعد حين لأسباب وظروف معينة، كما حصل الأمر مع معاوية في فترة حكم أمير المؤمنين، ولكانوا وفروا على أنفسهم عناء تلكم الأخطاء الكارثية التي اعترفوا بها فيما بعد للتأريخ وللأجيال، كما وفروا على الأمة كل هذا الضياع لسنّة النبي الأكرم، وللرؤية الصحيحة والموحدة للإسلام، وما تبعه من تناحر وصراع بين افراد الأمة كلفها دماءً وأعراضا وخسائر لا تُعد.

سألوا معاوية ذات مرة: لماذا تُصرّ على تمردك وعدم امتثالك لأوامر أمير المؤمنين بالتنحّي عن إمارة الشام؟ قال: “حتى أرى اسمي (توقيعي) على الكتب والرسائل بأني خليفة المسلمين”.

إنها نزعة التسلّط في النفس البشرية، فالتطلع الى القيادة، من أكثر ما شغل بال الانسان على مر التأريخ، وقد انقسمت البشرية للوصول الى هذه الغاية الى طريقين طويلين ممتدان مع الزمن؛ الأول: طريق الأنبياء والمرسلين من السماء ممن يحملون راية الدين، ويدعون الناس الى توحيد الله والإيمان بوجود حياة أخرى فيها الحساب والكتاب، والثواب والعقاب، وأن الحياة الدنيا ليست كل شيء، أما الطريق الثاني: فقد شقّه الفلاسفة ممن حملوا راية العقل والفكر البشري، وراحوا يدعون الناس الى الاكتفاء بما ينتجونه هم من أفكار وتصورات واستنتاجات رجاء العيش في هذه الحياة بأفضل ما يكون قبل الموت والفناء، ومن لم يستمتع في حياته فهو من الخاسرين حسب ما يدعون.

أقصر الطرق الى السعادة

نحن نحتفل بذكرى بيعة أفراد الأمة في منطقة غدير خُم، لعلي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين، وخليفة من بعد رسول الله، وفي ذلك الظرف الزمكاني المعروف تأريخياً، والأمر الإلهي المباشر لتنفيذ هذا “التبليغ” الحاسم، ونعده عيداً عظيماً نؤكد فيه ولاءنا وإيماننا بإمامة أمير المؤمنين، ونتبادل التهاني؛ “جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين”، ولكن! أمير المؤمنين غير موجود بيننا اليوم، أليس كذلك؟، بل وحتى كثير من تعاليمه ومناهجه في الحياة، غائبة عن حياتنا، وهي حقيقة يؤكدها الجميع بغير قليل من الأسى والأسف، بيد أن استمرارية هذه الولاية حافظت على فاعليتها ودورها المحوري في الأمة بوجود الأئمة المعصومين الأحد عشر من بعد أمير المؤمنين، ثم الامتداد الولائي المستمر بوجود الفقهاء والعلماء ممن تتوفر فيهم الشروط الواردة في النصّ عن الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، بأن يتولوا قيادة المجتمع نيابة عنه، معتمدين على رصيد ضخم من الروايات والسنن، الى جانب التخويل بالنظر في أعماق ما تحمله الآيات القرآنية من أحكام وقوانين ودروس وعبر، كلها تمكن الفقهاء من صياغة أنظمة متكاملة لحياة الناس، وتجيب عن كل سؤال حائر، وتساعد على حل أي مشكلة في حياة الانسان؛ الفرد والجماعة، فيكون دور هؤلاء الفقهاء “مرجعياً” يرجع فيه الناس الى ما يحتاجونه لشؤون حياتهم، وهذه الخصيصة ما يتميّز بها الشيعة عن سائر المذاهب الاسلامية الاخرى، بوجود شيء اسمه “الاجتهاد” في أحكام الدين، فتكون من مسؤولية مرجع الدين؛ الاجتهاد لاستنباط الاحكام الشرعية بما يستجيب ويواكب التطورات المستمرة في وسائل حياة الانسان.

ولذا نجد المكابرة من الحكام الطغاة على مرِّ الزمن بأنهم الأقدر على توفير السعادة للناس، وأن بإمكانهم توفير السكن والعمل وتملك السيارات والامتيازات والاستمتاع بالحياة دون الحاجة الى أحكام الدين والأخلاق والآداب، حتى وإن اقتضى الأمر تشريع قوانين تناقض وتلغي قوانين أخرى قبلها، بدعوى تطور الزمن و”لكل حادث حديث”!

العنف والقتل لمواجهة العقل والدين

لم يفِ الحكام بوعدهم بتحكيم العقل والجهد البشري لتنظيم حياة الانسان، وإلا لَما شهدنا الحروب الكارثية والسياسات الفاشلة المدمرة لحياة الشعوب، ومنها الشعب العراقي، فقد بان كذبهم ودجلهم السياسي بغية إبعاد الناس عما هو متطابق مع فطرتهم التي فطر الله الناس عليها، لذا لا يجدون حرجاً في ارتكاب أي جريمة بحق المعارضين ومن يتحدث حتى بلغة العقل والعلم قبل الدين، وكان التأسيس على يد الحكام المتسلقين الى قمة الحكم بعد استشهاد رسول الله، صلى الله عليه وآله، واستمر المنهج مع عودة السيادة الأموية على الجزيرة العربية وعلى الأمة كلها، وتبعاً لهم؛ الدولة العباسية والدول والانظمة السياسية المتعاقبة وحتى يومنا هذا.

إن منهج العنف والدموية والتضليل الذي واجه منهج الغدير، واكب تطورات الزمن، فنجده اليوم متسيّداً يفرض نفسه على الواقع، وأحياناً نلاحظ من يلتمس له العذر بالوجود كونه أمراً لابد منه! بدعوى جدوائية القسوة لتحكيم النظام والقانون، وهو ما لا يرتضيه العقل، وقد أدرك الغربيون خطر فكرة فرض القانون من الخارج لتحقيق النظام، بدلاً من احترام القانون انطلاقاً من داخل نفس الانسان وقناعته وإيمانه.

فاذا كان الأمويون والعباسيون يمارسون القتل بالسيف مع أمير المؤمنين، والامام الحسين، وبالسمّ مع سائر الأئمة المعصومين، لإبعادهم عن الساحة، فإن أشباههم اليوم اختاروا اساليب جديدة تتواءم مع العصر الجديد، فالدماء والاغتيالات تسبب لهم مشاكل ونتائج عكسية، بينما إشاعة الاخبار الكاذبة، والحرب النفسية، يجدونها اساليب “ناعمة” لمحاربة مرجع الدين وجعله يتحاشى التصدّي لقيادة الأمة عندما يجدد سمعته مهددة بالتشويه، فمن نسج الاخبار والاقاويل المتعلقة بالأموال والحقوق الشرعية، او العجز في تفهم الحياة العصرية، والانسجام مع حاجات الناس، لاسيما الشباب والمرأة على وجه التحديد، و جهلهم بأمور محورية ومصيرية مثل الاقتصاد والسياسة والأمن، بينما الحقيقة تؤكد عكس هذا تماماً، فإن عدم ممارسة المرجعية الدينية لهذه المسائل وإدارتها بنفسها، لا يعني بأي حال من الاحوال عدم تفهمها لملفات اقتصادية وسياسية، لاسيما “الديمقراطية” التي كثر الحديث عنها كتجربة قائمة للحكم في العالم، فهي تؤمن وتدعو للانتخاب الحر، وأيضاً للحريات الفردية والجماعية وفق الشروط المعروفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى