الإمام الباقر “عليه السلام”.. شهيد العلم والمعرفة

محمد علي جواد تقي..
بينما كنت أتصفح سيرة الإمام الباقر “عليه السلام”، لتجميع بعض الخيوط المفيدة لنسج صورة تعبّر عن جانب من حياته الشريفة في ذكرى استشهاده، لفتت نظري تسمية أطلقها أهل الحجاز (مكة والمدينة) على الإمام الباقر وهي؛ “إمام أهل العراق”، في حين أمضى معظم حياته في مدينة جدّه المصطفى، “صلى الله عليه وآله”، ولم يتواجد كثيراً في العراق وحواضرها مثل؛ الكوفة أو البصرة؟ ثم لماذا لم يتخذه أهل المدينة إماماً لهم، وهو مجاورهم كأسرة نبوية منذ حياة النبي الأكرم؟.
قبل الخوض في جغرافيا المجتمعات المسلمة في ذلك العهد، والتفاوت الواضح في مستويات الوعي والثقافة بين من يسكن الكوفة والبصرة، أو من يسكن الحجاز، أو من يسكن الشام، وسائر الامصار الاسلامية، جدير بنا الاشارة الى المرحلة الانتقالية في البناء الثقافي بين عهد الإمام علي بن الحسين زين العابدين، وعهد ابنه؛ محمد بن علي الباقر، “عليهما السلام”، ففي العهد الاول كانت الأمة بحاجة ماسّة الى عملية تهذيب للنفوس، وتليين للقلوب من خلال برنامج تربوي متكامل قدمه الإمام زين العابدين للأمة، متخذاً الدعاء أحد أبرز العلاجات الناجعة لمرض قسوة القلب، أيضاً؛ معالجة عقدة الاحتقار والضعة التي ولدت صفات القلق والجُبن والازدواجية التي تسببت في خذلان الإمام الحسين؛ سبط رسول الله، وتعرّضه مع أهل بيته لتلك الفاجعة المدوية أبداً في التاريخ.
وفي عهد الإمام الباقر كانت الأمة على موعد مع توافد الأفكار والعقائد من خارج المنظومة الاسلامية، وقد تحدثنا في مقالات سابقة عن تعمّد الحكام الأمويين منذ شيخهم الكبير؛ معاوية، تشجيع المشككين والمرتابين بالدين وبأصوله وأركانه، وحتى بالقرآن الكريم، فكانت بذرة “القدرية” و”المرجئة” وأشباهها، فكان الإمام الباقر على أهبة الاستعداد لهذا الدور الحضاري الذي بشره به جدّه المصطفى بأنه “يبقر العلم بقرا”، ويكون النموذج المتكامل للعلم والمعرفة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، تتميز عن كل ما موجود في العالم آنذاك.
أهل بيت رسول الله هم صنو القرآن الكريم، وهم القرآن الناطق، فمن أبرز مهام الأئمة المعصومين، “عليهم السلام”، تذكير الناس بمحورية القرآن الكريم في الوصول الى حقائق الدين والحياة، وهذا يكون عن طريقهم هم لا سواهم، ففي رواية عن الإمام الباقر يخاطب أصحابه: “شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت”.
ومنذ ذلك الحين، برزت شريحة المفسرين في الأمة بدعم ومساندة من الحكام، ليعضدوا سياساتهم وشرعية وجودهم في السلطة بآيات من الذكر الحكيم، وهو ما نفاه بشدة الإمام الباقر قائلاً لقتادة، أحد المدعين لتفسير القرآن آنذاك من البصرة: “ويحك يا قتادة، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك، فقد هلكت وأهلكت، فنحن والله دعوة إبراهيم، “عليه السلام”، التي من هوانا قلبه، قُبلت حجته وإلا فلا، يا قتادة، فإن كان كذلك أمن من عذاب جهنم يوم القيامة، يا قتادة إنما يُعرف القرآن من خوطب به”.
فكان، “عليه السلام”، حريصاً على أن يجعل كلام الله تعالى القاعدة الأساس لعقيدة وأفكار الناس، لتأتي الإضاءات والتوضيحات منه، “عليه السلام”، ومن سائر الأئمة المعصومين.
بداية؛ يجدر بنا الإشارة الى أن عهد الإمام الباقر كانت المدرسة الأولى لنشأة العلماء المحدثين، والأصحاب المخلصين في قادم الأيام للإمام الصادق، “عليه السلام”، مثل محمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وجابر بن يزيد الجعفي، وأبو بصير الأسدي وآخرين، فكانت تلك الفترة، قاعدة الانطلاق مع المعايير الصحيحة التي وضعها الإمام الباقر للأصحاب الخلّص.
ومن المعايير الدقيقة للولاء تجنب الوصولية والتزلف للظالمين بجعلهم في منزلة الأولياء الصالحين، فقال، “عليه السلام”، لكُثير، وهو من الشعراء البارزين: “امتدحت عبد الملك”؟! فقال: ما قلت له: يا إمام الهدى، إنما قلت: يا أسد، والأسد كلب، ويا شمس، والشمس جماد، ويا بحر، والبحر موات، ويا حيّة، والحية دويبة منتنة، ويا جبل، وإنما هو حجر اصمّ، قال الراوي: فتبسّم الإمام.
فتوجه الإمام الى الكعبة المشرفة ودعا عندها للكميت: “اللهم ارحم الكميت واغفر له” ثلاث مرات، ثم قدم اليه هدية مالية قدرها مائة ألف درهم، فأبى أن يأخذها برجاء ان يثيبه الله – تعالى – عليها يوم القيامة، فطلب منه قميصه فأعطاه الإمام إياه.
وعن البيئة الاجتماعية التي تلد الرجال المؤمنين والصادقين الأوفياء، نعيد الإشارة الى ما استهللنا به المقال، بوصف الإمام الباقر بأنه “إمام أهل العراق”، ولم يكن إمام أهل المدينة، مثلاً؛ وهي مدينة جدّه المصطفى، وقد أمضى فيها معظم أيام حياته، إنما المشكلة في هذه الحاضنة الاجتماعية غير السويّة وغير المتفاعلة مع المسيرة الرسالية للأئمة المعصومين بشكل عام منذ أحداث السقيفة وما جرى على أمير المؤمنين، والصديقة الزهراء، ومروراً بما جرى على الإمام الحسين في كربلاء، وما جرى بعده من تبرّم أهل المدينة من استمرار بكاء ونحيب السيدة زينب على مصاب الإمام الحسين، وسائر أهل بيتها.
بينما في الكوفة نجد عالماً متبحراً وفقيهاً لامعاً من أبرز المقربين الى الإمام الباقر، وهو جابر بن يزيد الجعفي، تصله رسالة سرية خاصة منه، “عليه السلام”، تشير عليه أن يُظهر الجنون ليتفادى بطش الوالي الأموي، فما كان منه إلا الامتثال لأمر الإمام، وروي أن هشام بن عبد الملك أرسل الى واليه في الكوفة أن اقبض على جابر الجعفي واضرب عنقه، فلما سمع الوالي بخبر جابر انصرف عن تنفيذ الحكم، وبذلك ينقذ الإمام الباقر أبرز العلماء والفقهاء ولا يدع الأمة تخسرهم.
هكذا دور حضاري ومحوري في الأمة لا يتحمله حاكم منغمس في الملذات مثل؛ هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، فارتكب جريمته بدسّ السمّ الى الإمام الباقر لإطفاء شمعته المضيئة ولكن {يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.



