ثقافية

جامع الخلفاء.. جامع الملوك الذي يجاور سوق الغزل

klkl;lk

علي العامري

وانت مارّ في شارع الجمهورية باتجاه السوق العربي، سيلفت انتباهك ـ عزيزي المستمع ـ من جهة اليمين جامع، ستفاجأ اذا علمت ان عمره يفوق الألف عام.
جامع القصر، ثم جامع الخليفة، وأخيراً جامع الخلفاء. هذه الأسماء تدل على مسمى واحد، انه الجامع الذي يحلو للبغداديين تسميته جامع “سوق الغزل”.
وجامع الخلفاء، هو مسجد يقع وسط منطقة الشورجة، على مشارف محلة الدهانة، ويقع أمامه عكد النصارى، ويقام الى جانبه في كل جمعة “سوق الغزل”. وقد بناه الخليفة المكتفي بالله، لكي يكون المسجد الجامع لصلاة الجمعة، ويقع شرقي القصر الحسني، وقد تم انجاز بنائه مطلع القرن العاشر الميلادي، وتعد منارته من المآذن التأريخية والمتميزة بعمارتها، وهي الأثر المعماري الوحيد الباقي من دار الخلافة العباسية ومساجدها. وقد كان جامع الخلفاء الجامع الرسمي للدولة العباسية، إذ تُقرأ فيه عهود القضاة، ويصلى فيه على جنائز الأعيان والعلماء، وتعقد فيه حلقات العلم للفقهاء والمحدثين والمناظرين، وفي رحبته كانت تبين مظاهر الحياة الاجتماعية والتجارية لأهل بغداد، لأن المساجد في ذلك الوقت، كانت تقوم مقام المنتديات العلمية والمراكز الاجتماعية، التي تعقد فيها الدروس وحلقات العلم، والمكتبات العامة. وقد بنيت منارة الجامع قبل أكثر من سبعة قرون، وهي من الآجر فقط، وتبدو النقوش المحيطة بالسطح الدائري بأشكالها المعينية البسيطة، كما لو كانت قد صفّفت لتبرز من خلال الظلال المتباينة في الخط الآجري. وهي اعلى منارة في ذلك الوقت، يمكن رؤية بغداد كاملة من على مئذنتها، وقد كان ارتفاعها خمسة وثلاثين متراً، وهي تعبر عن جلال بناء قصور الخلافة العباسية.
تم هدم الجامع والمنارة عام 1271 ليُعاد بناؤهما بعد ثماني سنوات. ثم سقطت وأعيد بناؤها من الوالي العثماني سليمان الكبير أواخر القرن الثامن عشر، كما شيد الوالي المذكور مسجداً جامعاً غربي المنارة، ويعرف بجامع “سوق الغزل”، وقد بقي قائماً حتى عام الف وتسعمئة وسبعة وخمسين، حيث تم هدمه لأجل فتح شارع الجمهورية، الذي يمر في سوق الشورجة.وتتصف المنارة بخصائص فنية ومعمارية خاصة، فلها قاعدة قوامها 12 مضلعاَ، ومحيطها اكثر من 20 متراً ويقوم عليها بدن نصفه اثنا عشري والنصف الآخر اسطواني. وارتفاعها عن سطح الارض نحو 32 متراً، ويضم مدخلين يصل كل منهما الى سلم يدور في داخل البدن وباتجاه معاكس للسلم الآخر. وقد شيدت المئذنة بالآجر والجص واستعملت مادة النورة والرماد في بنائها، وبدن المئذنة محلى بزخارف آجرية تعدّ آية في الفن والدقة.
وقد ذكر الجامع العديد من الرحالة الذين مروا بالعراق، لعل من بينهم: ابن بطوطة، وابن جبير، وقد ظل الجامع مركزاً للتأثير الاجتماعي في بغداد طوال العهد العثماني. ومن المرجح ان تكون رحبة هذا الجامع هي الارض التي شيد عليها دير الآباء اللاتين وتوابعه عام 1766، مقابل الجامع اليوم. وكانت تتصل هذه الرحبة بباب العامة، احد ابواب دار الخلافة العباسية. وكان قرب هذه الرحبة سوق الطيور العجيبة والالعاب البهلوانية والاجتماعات الشعبية والاعلانات الدولية وغيرها، والتي كانت تقام بعد الصلاة وانتشار المصلين، واكثر العجائب والغرائب كانت تعرض يوم الجمعة لأنه يوم التجميع في الصلاة والاجتماع.
وفي عام 1961 تم تكليف المهندس المعماري المرحوم محمد مكية بإعادة تصميم وتشييد جامع الخلفاء بشكل بشبه إلى حد ما طريقة تصميم الجامع القديم قبل أكثر من ألف عام. ويضم جامع الخلفاء في بغداد قاعة مصلى ثمانية الشكل تعلوها قبة عليها زخرفة بالخط الكوفي، ويبلغ ارتفاع القبة نحو 7 أمتار بالإضافة إلى الارتفاع الأساس للبناء والذي يبلغ نحو 14 متراً، كما توجد ثلاثة أروقة تؤدي إلى المصلى، وقد تم طلاء السطح الخارجي للقبة باللون الحنطي المائل للصفار بتدريجاته المختلفة ليتناسب مع لون المئذنة، بالإضافة إلى تغطية قاعة الصلاة بتدريجات اللون الأصفر أيضا وترتيبها في أشكال هندسية مختلفة. كما تمت توسعة الجامع عام 1981 وذلك بإضافة 12 متراً تقريباً مساحة من كل جانب من جوانب الجامع بالإضافة إلى زيادة طول الأروقة المؤدية إليها.
يتكون جامع الخلفاء من قبة ومنارة وحرم للنساء وقاعة مناسبات ومكتبة وحدائق جميلة على الطراز القديم. وتقام اليوم فيه الصلوات اليومية اضافة الى صلاة الجمعة وصلاة العيدين. وتبلغ مساحته الكليــة 750 م2 فيما تبلغ مساحـــة الحرم 600 م2، ويستوعب 500 مصلِّ تقريباً.
وشكل الحــــرم مستطيل الشكل مساحته 20 × 30 م تقريباً، وهو مبني من الطابوق، ويرتفع سقفه 8 امتار تقريباً، وقد زينت جدرانه بالآيات الكريمة من الداخل. وقبته كبيرة مزخرفة، وفيه منبر مصنوع من خشب الصاج. كما يحتوي على بيت للامام والخطيب وشقة. وتقام فيه دورات تحفيظ القرآن في العطلة المدرسية الصيفية، حيث يخرج المسجد قرابة 70 طالباً وطالبة كل عام من مختلف الأعمار، يتم تحفيظهم أجزاء من كتاب الله، بالإضافة إلى بعض الأمور الفقهية والآداب الإسلامية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى