الشهادة والنصر .. في طريق الجهاد الأكبر

عندما نصل إلى الشهادة فهذا يعني أنه قد وصل للكشف عن رمز النصر وجوهره وعزه “فالشهادة عز أبدي”، و “الشهادة رمز النصر”، و “الاستشهاد في سبيل الإسلام فخر لنا جميعا”، و “إن الاستشهاد بالنسبة لنا فيض عظيم”، فالشهادة على المستوى الشخصي للشهيد هي أعظم الفوز وأرقى النصر وها هو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب “عليه السلام” يعلن عن فوزه العظيم بالشهادة “فزت ورب الكعبة” برغم أن فقد الأمة له “عليه السلام” كانت الخسارة الفادحة التي لا عوض لها هذا أثر الشهادة بالنسبة للشهيد أما أثرها بالنسبة للأمة عندما يسقط الشهداء دفاعاً عنها فإن بشهادة هؤلاء الشهداء تتحول إلى عز ومنعة لها وحصن منيع مقابل كل من يفكر في الاعتداء عليها أو النيل من كرامتها وسؤددها, فنحن في محضر الشهادة إذن أمام عنوانين أساسيين: نصر الشهادة والنصر بالشهادة، وقد يجتمع لشخص أو جماعة أو أُمة كلا العنوانين فينتصرون بالشهادة وينصرون بها أمتهم ودينهم والأجيال وهذا حال شهادة الإمام الحسين “عليه السلام” وأصحابه وأهل بيته الأبرار.نصر الشهادة
نصر الشهادة وكما تمت الإشارة إليه هو أرفع وسام وأرقى نصر يمكن للإنسان أن يجوز عليه فالشهادة تمثل للإنسان المسلم والمؤمن لحظة تقديم كل ما يملك في هذه الدنيا وهي النفس في سبيل الله وكسباً لرضاه وما زاد من قيمة الشهادة هو ما وعد الله تعالى به الشهداء من كرامة ومن نعيم مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر وذلك من خلال العديد من الآيات الكريمة والعشرات من الأحاديث والروايات عن النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” وأهل بيته الأطهار فضلاً على سيرة أولياء الدين والصالحين عبر طلبهم الحثيث للشهادة في مواطنها والمجال لا يتسع لذكر طائفة من تلك الآيات والروايات والسيرة، باعتبار أن الإمام الخميني “رضوان الله عليه” قد جسد من خلال كلماته ومواقفه كل هذا الأثر والتراث المبارك نورد بعض عبارات الإمام حول الشهادة وافتخاراتها إضافة إلى ما ورد آنفاً:
• “إن الشعب الذي يعد الشهادة سعادة، شعب منتصر لا محال”.
• “شعبنا عاشق للشهادة، وبعشق الشهادة هذا انتصرت الثورة”.
• “الموت على فراش المرض موت محض، والمضي في سبيل الله شهادة ورفعة وشرف للإنسان بل للإنسانية” فالشهادة بنظر الإمام هي سعادة وشرف ورفعة للشهيد لا بل للإنسانية، وكم هو عظيم عندما يتحول شعب بأسره إلى شعب عاشق للشهادة في سبيل الله ويعد الشهادة سعادة، إذ إن شهادة أفراد في أمة تحييها فكيف إذا تحولت الأمة إلى أمة مستعدة للشهادة ؟!.
• “هنيئاً لهؤلاء الشهداء ما نالوه من لذة الأنس ومجاورة الأنبياء العظام والأولياء الكرام وشهداء صدر الإسلام، وأكثر من ذلك هنيئاً لهم بلوغهم نعمة الله التي هي “رضوان من الله أكبر”.
• “أيها الشهداء، إنكم شهود صدق، والمذكور بالعزم والإرادة الثابتة الفولاذية، وأفضل الأمثلة لعباد الله المخلصين فقد أثبتم انقيادكم لله تعالى وتعبدكم له ببذل الدماء والأرواح”.. إن الشهداء هم الأكثر استحقاقاً لنيل النعم الإلهية الكرى والفوز بالرضوان لأنهم أثبتوا ببذل الدماء والأرواح صدق إخلاصهم وطاعتهم لمولاهم وخالقهم، فانتصروا وفازوا حيث النصر الأكبر.
• “الشهادة هدية من الله تبارك وتعالى لمن هم أهلٌ لها” وهذا إشارة واضحة إلى قضية اختيار الله تعالى للشهيد من بين أقرانه حيث يعلم منه الصدق والوفاء والأهلية لذلك.
• “إني أرى الشهادة في سبيل الحق، وفي سبيل الأهداف الإلهية فخراً أبدياً”13 وأي فخر يسمو على الفخر الأبدي الذي لا انقطاع له في محضر الباري عز أمسه وفي محضر الأنبياء والأولياء والشهداء، وهل فخر الدنيا له أية قيمة إزاء هذه الفخر الأبدي. رزقنا الله وإياكم هذا الفخر الأبدي.
النصر بالشهادة
الشهادة في سبيل الله دفاعاً عن الأوطان والكرامات والمقدسات هي السلاح الأمضى الذي يقف في وجه أعتى الجيوش والقوى، فمن طلب العز والحرية والكرامة والأمن والسلامة والوطن والدين لا بد له أن يبذل الدم والنفس والروح ومن طلب النصر فلابد له من أن يستعد للشهادة، وهذه معادلة وسنّة إلهية في خلقه لا تختص بالمؤمنين بالله فقط بل بكل بني الإنسان، إن المؤمنين بالله يملكون من خلال معنى الشهادة الراقي الذي اختص بهم يملكون الحافز والدافع الإضافي والأعظم للاستعداد للشهادة طلباً للحياة الكريمة والمصونة من ذل الاحتلال والاستعباد والتسلط وهيمنة أهل الدنيا والطواغيت الكبار والصغار وبهذا السلاح تتكسر المعادلات وتختل الموازين وينتصر الدم على السيف لأن أقصى ما يمكن للعدو فعله بعد التهديد بالقتل هو القتل عينه، فكيف يخاف من كان القتل في سبيل الله أمنيته ومبتغاه, لذلك فإن امتشاق سلاح الشهادة يفقد الأسلحة المادية كل تأثيراتها فلا يعود لها أي قيمة رغم قوتها وجبروتها وقدرتها التدميرية.
لقد تعرف الإمام الخميني “رضوان الله عليه” على هذا السلاح باكراً جداً فهو الإمام الذي أعدَّ نفسه للشهادة منذ اليوم الأول لمواجهته لطغيان الشاه، كما عمل على إعداد شعبه والمسلمين للتزود بهذا السلاح الشريف والعزيز، سلاح الشهادة والقتل في سبيل الله وانتصر الإمام وشعبه بهذا السلاح، بل وصدَّره للشعوب والأمم التي مازالت تنتصر كل يوم في لبنان وفلسطين بسلاح عشق الشهادة ورفض الحياة الذليلة السوداء تحت نير الاحتلال الغاشم. وهذه بعض كلمات إمامنا النورانية حول هذا السلاح:
“الشهادة رمز النصر”.
“إن أحسَّ السعي في طلب الشهادة والفداء هو الذي أدى إلى انتصار الشعب الأعزل على الطاغوت”.
“لا يمكن لأية قدرة مواجهة الشعب الذي يقف نساؤه ورجاله على أهبة الاستعداد للتضحية بالنفوس مصرين على الاستشهاد”.
“إنكم منتصرون لأنكم عانقتم الشهادة، أما أولئك الخائفون من الهادة والموت فهم مهزومون”.
“الفداء والتضحية هما طبيعة أية ثورة، كما أن الاستشهاد والاستعداد للشهادة هما ضرورة أية ثورة”.
“إن داء شبابنا تغلّبت على البنادق”.
نصر كربلاء
لئن كانت الشهادة على المستوى الفردي للمؤمن فوزاً عظيماً فإن شهادة الإمام الحسين “عليه السلام” وأهل بيته وأصحابه في كربلاء مع ما صحابها من أحداث وظروف ولابسها من ظلم وتضحيات وصبر لا يطيقه أحد فضلاً على النية الطاهرة والمخلصة لهؤلاء الأطهار يجعل من تلك الشهادات أرفع وأرقى شهادة في تاريخ الإنسانية كلها، ويكفي تدليلاً على ما نقول أن الإمام الحسين “عليه السلام” بات سيد شباب أهل الجنة وسيد الشهداء وباقي الشهداء أصبحوا سادة الشهداء من الأولين والآخرين، وهذا على المستوى الشخصي للشهادة, أما على مستوى الأثر العام فقد كانت شهادة كوكبة من مؤمني عصرٍ ما تدفع البلاء عن أهل ذلك العصر فإن شهادة الإمام الحسين “عليه السلام” والكوكبة المضحيّة معه في كربلاء انتصرت للحق في حاضره والمستقبل وهزمت الباطل كذلك وأشادت للدين صرحاً إلى قيام الساعة.
فإذا أردنا أن نختصر الكلام عن النصر في فكر الإمام الخميني بكل الأبعاد، يمكن أن نقول أنه نصر كربلاء، لذلك نرى مناسباً أن نترك القلم هنا ليغرف من حبر فكر الإمام الخميني الكربلائي يحدثنا عن انتصار الدم الحسيني على ظلم التاريخ كله فمع الإمام: “محرم هو الشهر الذي انتفضت فيه العدالة لمواجهة الظلم، وقام فيه لاحق لمواجهة الباطل، فأثبت أن الحق منتصر على الباطل على مرّ التاريخ”.
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: “المجاهد من جاهد نفسه في الله” طريق الجهاد الأكبر هو الطريق الطويل والشاق الذي يجب على الإنسان المؤمن والمجاهد لنفسه أن يقضي فيه كل عمره مجاهداً صابراً متنبهاً إلى منزلقات الدنيا و وسوسة الشيطان وهوى النفس حتى يخرج أخيراً من هذه المعركة الكبرى منتصراً، ليكون النصر في هذه الطريق مقدمة ضرورية لكل الانتصارات الأخرى، من نصر الشهادة إلى الانتصار بالشهادة والى تحقيق كل نعمة ونصر في الدنيا والآخرة. لذلك إننا نجد أن تربية النفس وجهادها والانتصار عليها قد احتل حيزاً مهماً في فكر ومواعظ إمامنا الخميني رضوان الله تعالى عليه حتى إنه أفرد مؤلفاً أسماه “الجهاد الأكبر”، هذا فضلاً على الكتب والمحاضرات التي شحنت بنفسه الطاهر وهو ينبه ويرشد ويعظ المؤمنين ويحثهم على كسب هذه المعركة المهمة بل الفوز في نهاية هذا الصراع الطويل كي يحقق المؤمن أقصى الآمال وغاية المنى وتفتح له كل الطرق أمام جميع الانتصارات المادية والمعنوية. والإمام في طي مواعظه يرشدنا إلى مجموعة من الأسلحة تعد أساساً في هذا الصراع ليكتب في منتهاه بإذن الله، وهي:
البدء بإصلاح النفس
الشرط الضروري والبديل للنصر في معركة الجهاد الأكبر مع النفس هي أن تلتفت إلى وجود هذه الساحة المعدة للمعركة ـ ساحة النفس ـ وأن لا يكون الإنسان غافلاً عنها بالكلية، فإذا ما التفت الإنسان إلى أن بين جنبيه نفس تملك خياري الشر وجب عليه تبعاً لذلك أن يصلح هذه النفس ويقومها من خلال تعوديها على الخير ومنعها من الشر، يقول الإمام رضوان الله عليه “على المرء أن يبدأ بإصلاح نفسه، والسعي لجعل عقائده وأخلاقه وأعماله مطابقة للإسلام”.
إن إصلاح الظاهر من عمل وقول وترك الباطن متعفناً بالخصال الخبيثة والأخلاق السيئة هو كمثل جندي يتصدى للعدو على حدوده ويترك هذا العدو يسرح ويمرح داخل الوطن أو كشخص يعطر فضاء البيت وجدرانه بالطيب كي يتخلص من رائحة الجيفة الموجودة في البيت حيث لا ينفع هذا ولا ذاك سوى باجتثاث العدو من قلب الوطن ورمي الجيفة خارج الدار، وهكذا الإنسان الذي يصلح ظاهره دون الباطن سرعان ما يتدنس هذه الظاهر بلوث الباطن، لذلك يؤكد الإمام هنا ضرورة البدء بإصلاح النفس وعدم الاكتفاء بالظاهر بل الاهتمام بالباطن، فالمعركة هنا أَوْلَى والنصر أعظم وأدوم.
مخالفة الهوى
إن طبيعة النفس البشرية هي طبيعة خلقها الله تعالى مجبولة على حب الأخذ وطلب المزيد وتحقيق المشتهيات والمتع إلى ما لا نهاية وبلا حدود، لذلك فإن أهم سلاح لمجاهدة النفس هو مخالفتها فيما تتطلب من طلب حزم أو حتى حلال قد يؤدي إلى الإسراف والتبذير أو يوقعنا في الشبهات المؤدية بدورها إلى الحرام، وعلى رأس مطالب النفس هو الأنا وحب النفس دون الآخرين، لذلك كان أول شرط في المواجهة ونكران الذات، يقول الإمام رضوان الله عليه: “نكران الذات مقدمة لتكامل الإنسان”4، ويقول أيضاً: “إذا كان بعضنا لا يرتاح قلبياً من البعض الآخر، فتكليفنا الإلهي هو أن نخالف أنفسنا في مقام العمل والذكر والتبليغ” أي أن لا نعمل وفقاً لمتطلبات النفس، فإذا كانت نفسي تحدثني بسوء عن صديق أو أخ فلأقحم نفسي على زيارة هذا الشخص وبذل المودة له خلاف هوى نفسي.. كما يقول رضوان الله عليه: “إذا تجاوز الإنسان الأنا وأبدلها بهو يمكنه عندئذ إصلاح كل شيء” بحيث يكون الله تعالى هو الحاضر في النفس بدل الأنا، فكلما استشعر الإنسان شيئاً من هوى النفس وعلوها تذكر أنها مخلوقة الله وأنه مأمور بمخالفتها، وهذا طريق الانتصار.
المراقبة والحراسة
تماماً كما في ساحة المعركة مع العدو حيث يحتاج الجنود إلى أعلى درجات الرصد والمراقبة لاستطلاع حال العدو والحيلولة دون تسلله خِفْيَة أو جهاراً على قلب المعسكر ، فإن معركة جهاد النفس تحتاج إلى المزيد من الحراسات لعدم تسلل هوى النفس و وسوسة شياطين الأنس والجان الذين يتسللون إلى النفس من خلال الدم والعرق والشريان والصبر والسمع وباقي الحواس والأعصاب والقوى الجلية والخفية للإنسان. وعليه فإن الإمام يوصي بمزيد من المراقبة فيقول رضوان الله عليه: “علينا أن ننظر في صحيفة أعمالنا قبل أن تصل إلى محضر الله، ومحضر صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف” بمعنى أن نراقب أنفسنا جيداً كي لا نسوّد تلك الصحائف مطلقاً، حيث إن الله تعالى مطلع وحاضر وناظر لأعمالنا في كل لحظة، وكذلك يقول الإمام رضوان الله عليه: “عليكم السعي لأن يكون لقاؤكم بالله حين حلول وقت الرحيل بوجوه بيض” وذلك بنفس المعنى المتقدم وهو حراسة الوجه والقلب من أن يتلطخ بأنواع الذنوب، ليبقى أبيض نقياً حتى إذا ما حصل الرحيل في أية لحظة لاقى الإنسان بوجهه الأبيض إن شاء الله تعالى.
زيادة الإيمان والتقوى
حيث يعد الإيمان الروح التي تسيّر جيش الحق داخل النفس وتحركه في هذه المعركة نحو النصر المطلوب. كما أن التقوى تعد الزيت والوقود لهذا الإيمان المحرك. وعليه من غير الإيمان والتقوى لا يتوقع أحد أن ينتصر في معركة النفس وجهادها، وبما أن هذه المعركة طويلة، وبما أن العدو فيها يحضّر دائماً المزيد من العدة والحيل والأحابيل احتاج الإنسان حتماً ودائماً إلى زيادة درجات إيمانه ومراتب التقوى لديه لكي يضمن التوازن ومن ثم الانتصار بإذن الله. وهذه بعض كلمات للإمام تدلك على أهمية الإيمان والتقوى وضرورة الاستزادة منها باستمرار: “إذا دخل الإيمان القلب صلحت الأمور كلها”..”إن الإيمان بالله نور يزيح كل الظلمات من أمام المؤمنين”، “اعلم أن الإيمان هو من الكمالات الروحانية، التي غفل الكثيرون عن حقيقتها الثورية حتى المؤمنين فهم غير مطلعين ما داموا في عالم الدنيا وظلمة الطبيعة على نورانية إيمانهم وعلى ما أعدَّ الله لهم من الكرامات في الآخرة”.
الدعاء والمناجاة
إن الدعاء والمناجاة في جوف الليل وأطراف النهار تمثلان طلب العون من الله القدير في هذه المواجهة الصعبة والمعركة المحتدمة بين قوتي النفس، وليعلم أنه من دون التوكل على الله واللجوء إليه وطلب مساندته ونصرته لا يمكن تحقيق النصر في هذه الساحة، وخير تعبير عن أهمية الدعاء في هذا الصراع هو كلمة للإمام الخميني “قدس سره” يقول فيها: “إن الأدعية التي ورد الحث عليها… هي دليلنا نحو الهدف”، ويقول أيضاً: “عندما يُحيي المسلمون ليالي القدر ويناجون ربّهم فإنهم إنما يفكّون أسرهم من قيد العبودية لغير الله تعالى، ويتحررون من قيد شياطين الجن والإنس ليدخلوا في العبودية لله وحده”، فبالدعاء إذن يفك الإنسان أسر العبودية لغير الله بما في ذلك العبودية للنفس الأمارة التي هي أعدى أعداء الإنسان.




